الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٦٣ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية
ليضل الناس بغير علم ) * . قال أبو محمد : فصح أن كل ما لم يأتنا به وصية من عند الله عز وجل فهو افتراء على الله كذب ، وناسبه إلى الله تعالى ظالم ، ولم تأتنا وصية قط من قبله تعالى بالحكم بالقياس ، فهو افتراء وباطل ، وكذب ، بل جاءتنا وصاياه عز وجل بألا نتعدى كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وألا نحرم ولا نوجب إلا ما أوجبا وحرما ونهيا فقط ، فبطل كل ما عدا ذلك ، والقياس مما عدا ذلك فهو باطل .
وقال تعالى : * ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) * فأوجب تعالى أن يكتفى بتلاوة الكتاب ، وهذا هو الاخذ بظاهره ، وإبطال كل تأويل لم يأت به نص أو إجماع ، وألا نطلب غير ما يقتضيه لفظ القرآن فقط .
وقال تعالى : * ( وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ) * وقال تعالى : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * فلم يبح الله تعالى عند التنازع والاختلاف أن يتحاكم أو يرد إلا إلى القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فقط ، لا إلى أحد دون النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا إلى رأي ولا قياس ، فبطل كل هذا بطلانا متيقنا ، والحمد لله رب العالمين على توفيقه ، هذا مع شدة شرط الله تعالى بقوله : * ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * فلقد يجب على كل مسلم قامت عليه الحجة أن يهاب لحقوق هذه الصفة به ، وفرض عليه أن لا يقتدي بمن سلف ممن تأول فخطأ ، فليس من قامت عليه الحجة كمن لا ندري أقامت عليه الحجة أم لم تقم ؟ إلا أننا نحسن الظن بهم ، كما نحسنه بسائر المؤمنين والله أعلم بحقيقة أمر كل أحد .
وقال تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) * فحرم تعالى الحكم في الشئ من الدين بتحريم أو تحليل ، وسمى من فعل ذلك كاذبا ، وفعله كذبا إلا أن يحرمه الله أو يحلله الله في النص أو الاجماع ، وقال تعالى : * ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ء آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) * فسمى تعالى من حرم بغير إذن من الله تعالى في تحريم ذلك الشئ ، أو حلل بغير إذن من الله في تحليله : مفتريا ، وهذه صفة القائسين المحرمين المحللين الموجبين بالقياس بغير إذن من الله تعالى .