شرح الإشارات و التنبيهات( مع المحاكمات) - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢١٧ - الأول إشارة إلى القضايا من جهة ما يصدق بها أو نحوه
أقول: المجربات يحتاج إلى أمرين أحدهما المشاهدة المتكررة، و الثاني القياس الخفي و ذلك القياس هو أن يعلم أن الوقوع المتكرر على نهج واحد لا يكون اتفاقيا فإذن هو إنما يستند إلى سبب فيعلم من ذلك أن هناك سببا و إن لم يعرف ماهية ذلك السبب و كلما علم حصول السبب حكم بوجود المسبب قطعا و ذلك لأن العلم لسببية السبب و إن لم يعرف ماهيته يكفي في العلم بوجود المسبب، و الفرق بين التجربة و الاستقراء أن التجربة يقارن هذا القياس، و الاستقراء لا يقارنه، ثم إن التجربة قد تكون كليا و ذلك عند ما يكون تكرر الوقوع بحيث لا يعتبر معه تجويز اللاوقوع، و قد يكون حكم واحد مجربا كليا عند شخص و أكثريا عند آخر، و غير مجرب أصلا عند ثالث و لا يمكن إثبات المجرب للمنكر الذي لم يتول التجربة قوله" و ليس على المنطقي أن يطلب السبب في ذلك بعد أن لا يشك في وجوده" إنما ذلك على الفلسفي الناظر في كيفية استناد المسببات إلى أسبابها فالمجرب عند المنطقي من المبادئ، و عند الفلسفي ليس من المبادئ قوله" و ينضاف إليه أحوال الهيئة فينعقد التجربة" فالمشاهدة إذا تكررت مقرونة بهيئة ما من وقوع في زمان بعينه، أو مكان بعينه، أو على وجه معين، أو مع شيء لا غير فالحكم الكلي إنما يحصل مقيدا بتلك القيود و الشرائط فلا يحصل مطلقا عنها البتة و ذلك كمن شاهد أن كل مولود بالزنج فهو أسود فله أن يحكم كذلك و ليس له أن يحكم أن كل مولود أينما كان فهو أسود، و ينبغي أن يفرق بين ما يقارنه بالذات و بين ما يقارنه بالعرض لئلا يغلط، فالحاصل أن التجربة يعطي الحكم الكلي مقيدا، و العقل المجرد هو الذي يعطيه مطلقا، كما أن الحس هو الذي يعطيه جزئيا.
قوله: