الإبتلاء مدرسة الإستقامة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٦ - معدن الإستقامة

الله رهن إرادته، فكان له أن يصوغ من ذاته معدناً طيباً نقياً ثابتاً جديراً بأن يفتح الله له أبواب الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة. وقد قال تبارك اسمه في آية قرآية كريمة: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران/ ١٧٩) أي أن حكمته العظيمة وإرادته الجبارة شاءت أن يكون ابن آدم حرّاً مختاراً في انتخاب الحياة والمعدن، رغم الصورة والواقع الأوليين اللذين يولد عليهما وفيهما.

قصة تأريخية حكيمة

نقرأ في قصة النبي نوح عليه السلام مع ابنه الذي أبى الاستماع الى قول الحق والركوب في السفينة، نقرأ أن الله سبحانه وتعالى قد حكم على هذا الولد الكافر العاق بالهلاك نظراً لما صدر منه من موقفٍ معاند في أخريات حياته وفي تلك الساعات الحاسمة، وهو الموقف الذي كشف عن حقيقة معدنه، رغم كون أبيه من الأنبياء وأولي العزم، إلّا أن عمله غير الصالح حوّله الى لعنة تاريخية، لأنه كان بإمكانه اختيار طريق الفلاح والنجاة من الغرق في الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة.

ومن خلال شيء من التفكير في قوله تبارك وتعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (التين/ ٤- ٦) نعرف إن عملية الخلق خاصة بإرادة الله وحدها. ولكن الاستفادة من نعمة الخلق هذه بوسيلة الإيمان والعمل الصالح رهن بإرادة الإنسان، فهو حينما يخلق، يخلق بفطرة نقية طيبة مثالية، ثم إن طبيعته تبدأ في المسير في طريقين؛ الأول هو طريق التسامي والتكامل، وهو الطريق