الإبتلاء مدرسة الإستقامة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٦ - الإعداد سبيل الإستقامة
المفردة الثانية: أنّ الاستقامة تبنى على أساس الزهد في الدنيا، فمن المصاعب والمشاكل التي تهزّ الإنسان بكل كيانه ولا تترك له مجال الاستقامة على الطريق، هي نيّته المسبقة في البحث عن المراكز والمناصب ومغريات الدنيا الأخرى. وهذا النموذج حينما يدخل حلبة الصراع فيتأخّر عليه الحصول على ما كان يصبو إليه من الماديات سيصاب بمزيد من الإحباط، ويكون عرضة مباشرة لردود الأفعال التي يتّخذها هواه. فهو كان يتصوّر، أو يصوّر لنفسه أنّ عملية الصراع ينبغي تجرّدها عن تقديم التضحيات، بدءً ببذل المهج وإنتهاءً بتقديم الماديات، وهو بين هذا وذاك كان يعتقد بأن السير في عملية الجهاد عبارة عن عملية أخذ لاعطاء.
أما الزاهد بماديات الدنيا؛ كأمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، حيث دخل الحرب على بيّنة من أمره؛ دخل وهو يعرف ما عليه وماله. كان يعرف أنّ عليه الاستقامة في المعركة بإخلاص، وأنّ له عظيم الثواب من الله تبارك وتعالى.
إن هناك العشرات من الأحاديث والروايات الشريفة التي عكف علماؤنا الأعلام على تدوينها في كتبهم وموسوعاتهم، والتي تفيد بأن الغرض من الجهاد هو ضمان مستقبل أفضل للأجيال اللّاحقة، من قبيل قول النبي صلى الله عليه وآله:"
اغزوا تورّثوا أبناءكم مجداً". [١]
وهذا يشير الى لزوم منع المجاهد نفسه عن التفكير المصلحي، وخوض المعارك بمختلف أشكالها وظروفها بنيّة ضمان العزة والعدالة للأجيال اللّاحقة، وأنّ البحث عن الدنيا يتطلب ميادين أخرى، غير ميادين الجهاد وتحدي الطغاة.
[١] وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٩، أبواب جهاد العدو، ح ١٥.