الفكر الإسلامي اصوله و منهاجه - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥ - کلمة البداء
فالمنهج القرآني في معرفة الله وفي الإيمان به والتقرب إليه، هو اسلوب واقعي وليس اسلوباً ذهنياً افتراضياً، إنه اسلوب نابع من أرض الواقع.
ولكي نوضّح الاسلوب الواقعي، نضرب مثلًا تاريخياً؛ كانت الرابعة العدوية من المتصوفات في القرن الثاني من الهجرة، وكانت ببغداد، وفي يوم من أيام الربيع وحول نهر دجلة حيث تورّد الزهور والعطر والخضار، وحيث النسيم العليل، والمنظر كان جذّاباً، وكان خادم العدوية واقفاً على النهر وينظر إلى تلك المناظر الرائعة، بينما يرى سيدته في الغرفة وقد لفّت نفسها بدثار، وسرحت في التفكير، فقال الرجل: يا سيدتي اخرجي لتري الخلق، فقالت له: ادخل حتى ترى الخالق. هذا الرجل البسيط كان يتبع الاسلوب الفطري الأصح والأسهل، بينما سيدته الرابعة العدوية كانت تختار الاساليب الملتوية.
الاسلوب الأول هو الاسلوب الواقعي، ان يأتي الإنسان إلى الحياة يرى ويسمع ويشم، يأكل يتحرك يلمس يتذوق الحياة تذوقاً، ثم يتحرك عبر الحياة إلى خالق الحياة، فإذا رأى الجمال قال: سبحان الذي خلق هذا الجمال، ما أجمل الخلق. وإذا نظر إلى جبل عظيم قال: سبحان الله ما أعظم الخالق الذي خلق هذا الجبل. وإذا نظر إلى فراشة جذابة تنتقل من زهرة إلى أخرى، يقول: سبحان اللطيف الذي خلق بلطفه (بقدرته الواسعة وبعلمه المحيط) هذه الأجنحة الجميلة الخفيفة. وإذا نظر إلى مياه دجلة، وهي تتحرك باندفاع وتتدفق ثم تتحول إلى أنهر وتتحول إلى الأشجار والحقول وترزق الناس من الطيبات، يقول: ما أرحم رب العالمين، كم هو رحيم، وكم رحمته واسعة. يتحرك من آيات الله في الكون، إلى الله، بمعنى