اعلام النبلاء بتاریخ حلب الشهباء - الطباخ، محمد راغب - الصفحة ٣٤٦ - خروج إبراهیم باشا من حلب
قال الشیخ صالح ابن الشیخ أحمد المرتینی الإدلبی الأصل أحد أفاضل
الشهباء فی رسالة له ألفها فی المحرم من سنة ألف و مائتین و سبعة و خمسین
أعنی بعد خروج إبراهیم باشا من هذه البلاد بقلیل، و هی لطیفة الإنشاء مسجعة
علی طریقة المتقدمین، و یظهر أنه صاغ عقودها فی إدلب قبل أن یتوطن حلب، و
قد ذکر فیها وقائع إبراهیم باشا المصری من حین خروجه علی الدولة العثمانیة و
استیلائه علی سوریة و قونیة إلی حین مغادرته لها و عودته إلی البلاد
المصریة، و یظهر مما سطره أنه لم یکن ممتنا من الحرکة التی قام بها إبراهیم
باشا و والده محمد علی باشا وعدهما من الطغاة البغاة و رشقهما بألسنة حداد
و عبارة غایة فی المرارة، و قد رأیت أن ألتقط منها نبذا أتمم فیها هذا
الفصل و أ أیّد بها ما تقدم ذکره لما فیها من زیادة الفوائد، خصوصا و
المؤلف من أهل ذلک العصر، فهو إذا لم یکن ممن شاهد تلک الوقائع بعینه فقد
سمعها حین وقوعها ممن شاهدها و رآها، قال فی حق محمد علی باشا:
و فی سنة
خمس أو ست و عشرین بعد المائتین و ألف أحدث فی جمیع ممالکه الحادثة
الشنیعة و البدعة السیئة الفظیعة أعنی بها البدعة المسماة بالنظام، فألبس
المسلمین الثیاب الضیقة ذات الأزرار و نسخ العمامة و الثیاب التی تزین
لابسها الوقار، فصار المسلم أشبه شیء بالإفرنجی من أهل الحرب بعد أخذه من
بیته موثوقا مساقا بالشتم و الضرب. إلی أن قال:
ثم لا زالت هذه أفعالهم
فی الأقطار، و فی کل شهرین أو ثلاثة یقبضون علی الشبان من تلک الأمصار، حتی
صارت خالیة من الکهول و الشبان و الرجال إلا شیخا زمنا أو أعمی أو عطیل
الحواس و الأوصال، فعمت الفاحشة هناک فی النساء و الأبکار و أنکحت الحرة
نفسها علی ملء بطنها خوفا من العار، و صار الغنی فی تلک الأطراف من یملک
قوت یومه و لیلته وثوبا یستر به ما بین سرته و رکبته.
(ثم قال بعد أن
ذکر خروج إبراهیم باشا علی الدولة العثمانیة و مجیئه سنة ١٢٤٨ إلی عکا و
حصاره ثم فتحه لها و استیلائه علی دمشق الشام): ثم عزم أن یتوجه بجیشه
العرمرم لتحصیل مدینة حلب، فحینئذ شاعت فی جمیع الأقطار أخباره و انتشرت فی
الخافقین أحواله و آثاره، فتوجهت لملاقاته عساکر مولانا السلطان و سر
عسکرهم إنج بیرقدار أول وزیر من وزراء الدولة قد خان، فتقابل العسکران خارج
حمص عند البحیرة فثبت لقتاله نحو الألفین و الباقون أخذتهم الحیرة، مع أن
العساکر السلطانیة کانت إذ ذاک من الألوف