البراهين القاطعة - الأسترآبادي، محمد جعفر - الصفحة ٤٢٤
ووجه جواز الأخير [١] أنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ اليسير [ أقبح ] [٢] وارتكاب أقلّ القبيحين جائز عقلا ، فصدور الشرّ بالذات محال من الواجب وإن كان قليلا. وأمّا صدوره منه بتبعيّة الخير فلا ، فجميع الشرور صدوره من هذا الباب ، فلا يلزم إسناد الشرور بالذات إلى الواجب ، ولا القول بوجود إلهين ، بل الحقّ أنّ الشرور ليست مستندة إلى الواجب إلاّ باعتبار أنّ فاعلها مستند إليه ، وهذا ليس استنادا في الحقيقة.
وأمّا القضاء والقدر ، فقد وقع الاتّفاق ، ووردت الأخبار على أنّ الحوادث تحدث بهما [٣] ، ومن جملتها أفعال العباد ، فيلزم عدم اختيارهم فيها ؛ لأنّ المقدّر كائن ، فهذا منشأ الإشكال.
والجواب : أنّ القضاء له معان :
منها : الخلق ، كما في قوله تعالى : ( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ) [٤] وكذا القدر ، كما في قوله تعالى : ( وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها ) [٥] وهذا المعنى لا يتحقّق في جميع الحوادث ؛ إذ قد بيّنّا أنّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله.
والثاني : الإيجاب والإلزام ، كما في قوله تعالى : ( وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ) [٦] أي أوجب ، وكذا القدر ، كما في قوله تعالى : ( نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ) [٧] أي ألزمناه. وهذا المعنى لا يكون عامّا ؛ لاختصاصه بالواجب.
والثالث : الإعلام والتبيين ، كما في قوله تعالى : ( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) [٨] الآية.
[١] أي الأخير من الأوّلين وهو الخير الغالب. [٢] أي الأخير من الأوّلين وهو الخير الغالب. [٣] انظر « الكافي » ١ : ١٥٥ ـ ١٦٠ باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ؛ « التوحيد » : ٣٥٩ ـ ٣٩٠ بابا نفي الجبر والتفويض ، والقضاء والقدر. [٤] فصّلت (٤١) : ١٢. [٥] فصّلت (٤١) : ١٠. [٦] الإسراء (١٧) : ٢٣. [٧] الواقعة (٥٦) : ٦٠. [٨] الإسراء (١٧) : ٤.