البراهين القاطعة - الأسترآبادي، محمد جعفر - الصفحة ٢٠٧
فمندفع بأنّ الصور الجماديّة لمّا كانت قائمة بموادّها فماهيّتها كانت حاصلة لموادّها ، لا لأنفسها على ما مرّ.
وأيضا ما هو شرط في المعقوليّة ـ أعني التجرّد عن المادّة ـ مفقود في الصور الجماديّة ؛ لكونها مقارنة لموادّها.
[ المبحث ] الثالث : قد تلخّص من تضاعيف ما ذكرنا أنّ حقيقة العلم هي حصول مجرّد لمجرّد قائم بذاته ، وذلك الحصول يتصوّر على أنحاء ثلاثة :
أحدها : حصول الشيء بنفس ذاته العينيّة لشيء مستقلّ في الوجود بالفعل قائم بذاته حصولا حقيقيّا كحصول المعلول بحسب وجوده العينيّ لعلّته.
وثانيها : أن يكون ذلك الحصول حصولا حكميّا لا حقيقيّا كحصول ذات المجرّد لنفس ذاته ولا شكّ في كونه حكميا راجعا إلى كون ذات المجرّد غير فاقدة لذاتها.
وهذان القسمان هما المراد [١] بالعلم الحضوريّ ، وبهذا الاعتبار قيل : العلم هو حضور الشيء لمجرّد ، أو عدم غيبة شيء عن مجرّد.
وثالثها : حصول شيء بصورته وماهيّته ـ لا بنفس حقيقته العينيّة ـ لمجرّد قائم بذاته ، وهذا هو المسمّى بالعلم الحصوليّ المفسّر بحصول صورة الشيء في العقل. ولا شكّ عند الحكماء والمحقّقين في كفاية كلّ واحد من النحوين الأخيرين من الحصول لتحقّق العلم ، ولذلك اتّفقوا على أنّ علم العاقل بذاته إنّما هو عين ذاته ، وأنّ علمه بغيره هو بحصول صورته في العقل.
وأمّا أنّه هل يكفي النحو الأوّل من الحصول أيضا لتحقّق العلم؟ فلم يشتهر من الفلاسفة قبل صاحب الإشراق ما يدلّ على ذلك ، بل هو أوّل من صرّح [٢] به وتبعه المصنّف وجماعة من المتأخّرين ، ومنعه جماعة أخرى منهم [٣] ، وقد مرّ في كلام
[١] كذا ، والأصحّ : « المرادان ». [٢] « حكمة الإشراق » ضمن « مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق » ٢ : ١٥٠. [٣] راجع « الأسفار الأربعة » ٦ : ٢٣٠.