فلسفة الميثاق والولاية - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٨٧

أقطار التمويه، وآفاق التضليل، بل جرى معهم على عادة الحكماء في اسـتدراج المنـاوئ لهم في الرأي وتبليغـه الأمر الذي يأبـاه.

بهذا خفّض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من غُلوائهم[١]، وزجر أحناء طيرهم[٢]، ولو بادههم[٣] بالأمر دفعة واحدة لَما أَمِنَ من معرّتهم[٤]، فكأنّه خدّر بهذا الأُسلوب أعصابهم، فتدرّجوا معه بالقبول شـيئاً فشـيئاً، حتّى كان يوم الغدير، فأعلن الأمر لتلك الجماهير، وما كان ليعلنه لولا أنّ الله أمره بذلك، وضمِن له العصمة من أذاهم بقوله عزّ من قائل: { يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من النـاس }[٥].

فجمع (صلى الله عليه وآله وسلم) بحكمته البالغة بين تعيـيـن الإمام، وحفظ


[١] الغُـلْواء ; سرعةُ الشـباب وشِرّته، وغُلَواءُ كلّ شيء أوّلُه وشِرَّته ; انظر: لسان العرب ١٠ / ١١٤ مادّة " غـلا ".

[٢] زجَرَ أحناء طيرهم: أي زجر نواحيهم يميناً وشمالا وأماماً وخلفاً، ويراد بالطير: الخفّـة والطيـش ; انظر: لسان العرب ٣ / ٣٧٣ مادّة " حنـا ".

[٣] بَدَهَهُ وبادَهَهُ بالأمر: فاجأه بالأمر وباغته به ; انظر: لسان العرب ١ / ٣٤٧ مادّة " بده ".

[٤] المعرّة: الأذى ; انظر: لسان العرب ١٣ / ١٤٠ مادّة " معر ".

[٥] سورة المائـدة ٥: ٦٧.