فلسفة الميثاق والولاية - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٥١

المقام الثاني
في الاسـتـشـهاد بالآيـة الكريمة على
نبــوّة نبيّـنا (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمامة أئـمّـتنا (عليهم السلام)


وهذا شيء لم يكن مدلولا عليه بظاهر الآية لولا ما رويناه في تفسيرها عن الإمام الصادق (عليه السلام) إذ قال: " كان الميثاق مأخوذاً عليهم لله بالربوبية، ولرسوله بالنبوّة، ولأمير المؤمنين والأئمّة بالإمامة، فقال: { ألست بربّكم } ومحمّـد نبيّكم وعليٌّ إمامكم والأئمّة الهادون أئمّتكم { قالوا بلى } ".. الحـديث[١].

وقول الصـادق (عليه السلام) حـقٌّ لا يأتيـه الباطل من بين يديـه ولا من خلفه ; لوجوب عصـمته عقلا ونقلا، وهو إمام العترة الطاهرة في عصره، لا يضلّ من تمسّك به، ولا يهتدي إلى الله من ضلّ عنه، أنزله النصُّ منزلةَ الكتاب، وجعله قدوته لأُولي الألباب، وهذا أمر مفروغ عنه عندنا، والحمّد لله ربّ العالميـن[٢].


[١] تفسير القمّي ١ / ٢٤٨، ونحوه في: تهذيب الأحكام ٣ / ١٤٦ ح ٣١٧ باب صلاة الغـدير.

[٢] نعم، إنّ مسألة عصمة الأئمّة (عليهم السلام) عندنا مفروغ منها، وذلك بدلالة آيات الكتاب العزيز والأحاديث النبوية الشريفة المتواترة، والتي تُظهِر هذا الأمر جليّـاً واضحاً ; لذا فما على المنصف إلاّ أن يراجع هذه الآيات والأحاديث لكي يزيل عن عينيه الغشاوة التي حجبت عنه رؤية الحـقّ وأهله.

  • فمن الآيات القرآنية التي تدلّ على إمامتهم وعصمتهم (عليهم السلام):

    [١]ـ آية التطهير: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطـهّركم تطهيراً) سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.

    والمراد بأهل البيت في هذه الآية: عليٌّ وفاطمـة والحسـن والحسـين (عليهم السلام) وفق ما جاء به الحديث الشريف.

    انـظـر: صحيـح مسلم ٧ / ١٣٠، سـنن الترمذي ٥ / ٣٢٨ ح ٣٢٠٥ و ٣٢٠٦، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٥١ ح ٣٥٥٨ و ٣٥٥٩، المعجم الكبير ٣ / ٥٣ ح ٢٦٦٤، الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٣ ـ ٦٠٥، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٣٤٦.

    [٢]ـ آية المودّة: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حسناً إنّ الله غفور رحيم) سورة الشورى ٤٢: ٢٣.

    فقد عيّن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المقصودين بـ " القربى " في هذه الآية، وهم: عليٌّ وفاطمـة الزهراء وولداهما الحسـن والحسـين (عليهم السلام)، ولو لم يكونوا طاهرين مطهّرين معصومين لَما أمر الله تعالى بمودّتهم، ولَـكان أمره عبثاً، تعالى عن ذلك علـوّاً كبيراً.

    انظر: مسند أحمد ١ / ٢٢٩، المعجم الكبير ٣ / ٤٧ ح ٢٦٤١ و ج ١١ / ٣٥١ ح ١٢٢٥٩، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨٨ ح ٤٨٠٢، تفسـير الطبري ٢٥ / ١٦ ـ ١٧.

    [٣]ـ آية المباهلة: (فمن حاجّك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفُسَنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) سورة آل عمران ٣: ٦١.

    وهذه الآية من الآيات الدالّة على إمامة أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام)، وعلى أنّهم بمرتبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ساوتهم به، إذ جمعت أنفسهم مع نفسه، فقال تعالى: (وأنفسنا وأنفسكم)، وقصّة هذه الآية معروفة حين خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مباهلة نصارى نجران بعليّ وفاطمة والحسـن والحسـين (عليهم السلام)، وقد تواترت الأخبار في نقلها.

    انظر: مسند أحمد ١ / ١٨٥، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٤، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٣ ح ٤٧١٩، فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧ / ٦٠.

  • أمّا بالنسـبة للأحاديث النبوية الشريفة فهي كـثيرة جدّاً، ولكـنّنا ـ روماً للاختصار ـ سـنورد أشهر حديثين، وهما:

    [١]ـ حديث السفينة: " مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك ".

    وهو حديث زاد عن حدّ الاسـتفاضة، وفيه دلاله واضحة على إمامـة أئمّتنا وعصمتهم بالمعنى الذي يقوله علماؤنا، أي أنّ الذي يريد أن ينجو من الهلاك عليه التمسّـك بهؤلاء ; لأنّهم سـفن النجـاة.

    انظر: فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٩٨٧ ح ١٤٠٢، مسند البزّار ٩ / ٣٤٣ ح ٣٩٠٠، المعجم الكبير ٣ / ٣٧ ح ٢٦٣٦، المعجم الصغير ١ / ١٣٩، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٧٣ ح ٣٣١٢، البدء والتاريخ ١ / ٢٢٠، حلية الأولياء ٤ / ٣٠٦، تاريخ بغداد ١٢ / ٩١ رقم ٦٥٠٧، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨، الصواعق المحرقة: ٣٥٢.

    [٢]ـ حديث الـثِّـقْـلَـيْن: " إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر ; كـتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يَرِدا علَيَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما! ".

    وهو من الأحاديث المتواترة، وقد رواه أكثر من ثلاثين صحابيّاً، ويُعدُّ من الأحاديث الدالّة دلالة قاطعة لا تقبل الشكّ والترديد على عصمة أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام) ; إذ قرن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن بالعترة، وأخبر أنّهما لن يفـترقا حتّى يرِدا عليه الحوض.

    انظر: صحيح مسلم ٧ / ١٢٢، مسند أحمد ٥ / ١٨١ ـ ١٨٢، سنن الترمذي ٥ / ٦٢٢ ح ٣٧٨٨، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٠ ح ٤٧١١ و ج ٣ / ٦١٣ ح ٦٢٧٢، المعجم الكبير ٥ / ١٦٦ ح ٤٩٦٩ و ج ٥ / ١٨٢ ح ٥٠٢٥ و ٥٠٢٦ و ج ٥ / ١٨٣ ح ٥٠٢٨، الدرّ المنثور ٢ / ٦٠.