فلسفة الميثاق والولاية - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٣١

ضرورة أنّهم لم يشهدوا على أنفسهم بألسنتهم، وإنّما شهدوا بألسنة أحوالهم ; إذ نصبوا أصنامهم حول الكعبة فكانوا يطوفون بها عراة ويقولون: لا نطوف عليها في ثياب أصبنا فيها المعاصي[١] ; وكلّما طافوا بها شوطاً سجدوا لها، فظهر كفرهم بسـبب ذلك ظهوراً لا يتمكّنون من دفعه، فكأنّهم شهدوا به على أنفسـهم.

وبهذا صحّ المجاز على سـبيل التمثيل في هذه الآية.

ونحـوها قولـه تعـالى: { ثمّ اسـتوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين }[٢]..

إذ لا قول هنا من الله عزّ وجلّ، ولا منهما قطعاً[٣]..


[١] انظر: تفسـير الفخر الرازي ١٦ / ٩.

[٢] سورة فصّلت ٤١: ١١.

[٣] ومن المناسـب أن نورد هنا ما أفاد به الشريف المرتضى (قدس سره) في " أماليه " ممّا يؤيّـد هذا الوجه في معنى آية الميثاق، إذ قال ما نصّـه:

إنّه تعالى لمّا خلقهم وركّبهم تركيباً يدلّ على معرفته، ويشهد بقدرتـه، ووجوب عبادته، وأراهم العبر والآيات والدلائل في أنفسـهم، وفي غيرهم، كان بمنزلة المُشـهِد لهم على أنفسـهم، وكانوا ـ في مشـاهدة ذلك، ومعرفتـه، وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله تعالى، وتعذُّر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ـ بمنزلة المُـقِـرّ المعترِف وإنْ لم يكن هناك إشـهاد ولا اعتراف على الحقيقـة..

ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: (ثمّ اسـتوى إلى السـماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) وإنْ لم يكن منه تعالى قول على الحقيقـة ولا منهما جواب..

ومثله قوله تعالى: (شـاهدين على أنفسـهم بالكـفر)، ونحن نعلم أنّ الكفّار لم يعترفوا بالكفر بألسـنتهم، وإنّما ذلك لمّا ظهر منهم ظهوراً لا يتمكّـنون من دفعه، كانوا بمنزلة المعترفين به...

انظر: الأمالي ـ للشـريف المرتضى ـ ١ / ٢٣ ـ ٢٤.