فلسفة الميثاق والولاية - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٣٧

وممّا جاء في السُـنّة على هذا النمط من المجاز على سبيل التمثيل، حديث كربلاء والكعبة[١]، الذي أشار إليه سيّد الأُمّة،


[١] لقد وردت روايات كثيرة معتبَرة في تفضيل أرض كربلاء على أرض الكعبة، منها ما رواه شيخ الطائفة الأقدم أبو القاسم جعفر بن محمّـد ابن قولويه ـ المتوفّى سـنة ٣٦٧ هـ ـ في كـتابه " كامل الزيارات "، ص ٢٦٦ ـ ٢٧١..

l فـقد روى بسـنده عن عبـد الله بن أبي يعفـور، قال: سـمعت أبـا عبـد الله (عليه السلام) يقـول لـرجـل مـن مـواليـه: يـا فـلان! أتـزور قبـر أبي عبـد الله الحسـين بن عليّ (عليهما السلام)؟

قال: نعم، إنّي أزوره بين ثلاث سـنين أو سـنتين مـرّة.

فقال له وهو مصفرّ الوجه: أما والله الذي لا إله إلاّ هو، لو زرته لكان أفضل لك ممّـا أنت فيه!

فقال له: جُعلت فداك! أكُـلّ هذا الفضل؟!

فقال: نعم، واللهِ لو أنّي حدّثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحجّ رأساً، وما حجّ منكم أحد!

ويحك! أما تعلم أنّ الله اتّخذ كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتّخذ مكّـة حـرماً؟!

قال ابن أبي يعفور: فقلت له: قد فرض الله على الناس حجّ البيت ولم يذكر زيارة قبر الحسـين (عليه السلام)؟!

فقال: وإنْ كان كذلك، فإنّ هذا شيء جعله الله هكذا، أما سمعت قول أبي أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يقول: " إنّ باطن القدم أحقّ بالمسح من ظاهر القدم، ولكنّ الله فرض هذا على العباد؟!

أَوَمـا علمتَ أنّ الموقف لو كان في الحـرم كان أفضل لأجـل الحـرم؟! ولكنّ الله صنع ذلك في غير الحرم "!

l وروى عن بيّاع السابري، عن أبي عبـد الله (عليه السلام)، قال: إنّ أرض الكعبة قالت: مَن مثلي وقد بنى الله بيته على ظهري، ويأتيني الناس من كلّ فجّ عميق، وجُعلتُ حرم الله وأمنه؟!

فأوحى الله إليها أن كُـفّي وقـرّي! فوعزّتي وجلالي ما فضلُ ما فُضِّلتِ به في ما أعطيتُ به أرض كربلاء إلاّ بمنزلة الإبرة غُمسـت في البحر فحملت من ماء البحـر!

ولولا تربة كـربلاء ما فضّـلتُـكِ! ولولا ما تضمّـنته أرض كربـلاء لَما خلقتُـكِ ولا خلقتُ البيت الذي افتخرتِ به!!

فـقـرّي واسـتقـرّي، وكوني دَنِـيّـاً متواضعاً، ذليلا مهيناً، غير مسـتـنـكف ولا مسـتكبر لأرض كربلاء، وإلاّ سُخْتُ بكِ وهويتُ بكِ في نار جهـنّم!

أقـول: لا اسـتبعاد ولا إشكال في هذا الأمر، فقد شُـرِّفت أرض كربلاء بضمّها جسد سـيّد الشهداء الإمام أبي عبـد الله الحسـين (عليه السلام)، ولمّا كان المؤمن أعظم حرمة من الكعبة ـ كما جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام الرضـا (عليه السلام) في ما رواه الطبراني في المعجم الكبير ١١ / ٣١ ح ١٠٩٦٦، والبيهقي في شعب الإيمان ٣ / ٤٤٤ ح ٤٠١٤، والمحدّث النوري في مستدرك الوسائل ٩ / ٣٤٣ ح ١١٠٣٩ ـ، فكيف بخامس أهل الكساء وسـبط رسـول الله وريحانته وسـيّد شـباب أهـل الجنّـة؟!

فإنّ مراد الإمام الصـادق (عليه السلام) من ذلك هو إبراز فضيلة أرض كربـلاء لا إلغاء فريضة الحـجّ ; وهذا ما يؤكّده الحديث المروي في كامل الزيارات: ١٥٩، بالإسـناد عن يونس، عن الإمام أبي الحسـن عليّ بن موسى الرضـا (عليه السلام)، أنّه قال: " من زار قبر الحسـين فقد حجَّ واعتمر.

قلت: تُطرح عنه حجّـة الإسـلام؟

قال: لا، هي حَجّة الضعيف حتّى يقوى ويحجّ إلى بيت الله الحـرام... ".