فلسفة الميثاق والولاية - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٧٢

متهافتين على جحوده، مسـترسلين متتابعين متدفّـقين في إطفاء نوره، وإكفاء إنائـه، قد ركبوا رؤوسهم في ظلمة، متمادين موغلين ممعنين في الاسـتـئـثار بحقّه، لا يلوون في ذلك على أحد، كما تمثّله سيرتهم معه بأجلى المظاهر المحسوسة، لكن { لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }[١]!

إذا عرفت هذا كلّه، تعلم أنّ أمر الإمامة كان حرجاً إلى الغايـة ; إذ إنّـها مـن أُصـول الـدين[٢]، فـلا بُـدّ مـن تبليغهـا، ولا مناص عن العهـد بها إلى كُـفـئها على كلّ حال.

وهنا الخطر والإشفاق من الهَرْج والمَرْج[٣]، لأنّ أُولئك البغاة كانوا يأبون تبليغها والعهد بها إلى صاحبها كلّ الإباء، وكانوا يصدّون عن ذلك كلّ الصدود، وقد علم الله ما أضمروه من الفتنة في هذا السـبيل، وما تأهّبوا وأعدّوا وتجهّزوا له من


[١] سورة ق ٥٠: ٣٧.

[٢] راجـع: دلائل الصدق ٤ / ٢١١ وما بعـدها.

[٣] الـهَـرْج: شدّة القتل وكـثرته، والفتنة والاختلاط ; انظر مادّة " هرج " في: الصحاح ١ / ٣٥٠، لسان العرب ١٥ / ٦٩.

والـمَـرْجُ: الفِتْـنَـةُ الـمُـشكِلةُ، والفساد، والخلط، وفي الحديث: كيف أنتم إذا مَرِج الدِّين؟! أي: فسَدَ وقَلِقَت أسـبابه ; انظر: لسان العـرب ١٣ / ٦٥ مادّة " مرج ".

والمراد هنا: كـثرة الحروب واشـتداد الفتن والاضطراب بين الناس.