التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٨

التلاميذ فاعظمهم واشهرهم (بولس) وبنظر الاعتبار في ترجمة أحواله المسرودة في كتاب (أعمال الرسل) الذي هو أهم الأناجيل بعد الأربعة الأولى، نجده أكبر مجاهد في نشر الدعوة المسيحية، وفي الحق انه هو الذي نشر دين النصرانية في سوريا وادخله في الرومان واليونان وبلغ به إلى تخوم أوربا وتغلغل به إلى حدود اسبانيا وكافح المصايب والمصاعب في هذا السبيل، وصار غير مرة عرضة للهلكة حسبما أورده في (أعمال الرسل) وتبعه على ذلك تلميذه (مرقس) الذي اقتنصه في بعض اسفاره هذا كله بنظر الاعتبار الأول في (أعمال الرسل) وغيره، وأما بالنظرة الثانية الدقيقة التي تخرق السطوح وتنفذ في الأعماق، فانك لا محالة تجد من سيرة هذا اليهودي المتنصر انه قد كان رجلا مهرتقاً لا يركن إلى دين، ولا يتقيّد بشريعة بل كان يتلاعب بالأديان، ويسعى وراء غاية كبيرة وهي تمزيق الشرايع السموية، والنواميس الإلهية، فقد كان أولا مدّة حياة المسيح وبعد صلبه يهودياً قاسياً، ورومانياً صلباً، وفريسياً قحاً، وكان يحسن العبرانية والرومانية واليونانية وهذا هو الذي نشطه للدعاية والتبشير وكان اسمه حين كان يهودياً (شاول) وسمى نفسه حين تنصر (بولس) ادرك المسيح وهو ابن عشرين سنة ولم يؤمن به بل صار من أعظم المضطهدين للنصارى والساعين في قلع جرثومتهم، وهو أحد شهود رجم (استفانوس) الذي يعرف عند النصارى بالشهيد الأول، واحد السبعة الذين اختارهم التلاميذ الاثني عشر لنشر الدعوة وكان قد فر جمع النصارى إلى دمشق بعد رجم (استفانوس) تخلصاً من بلية شاول وقومه الفريسيين فلحقهم ليردهم إلى نير اضطهاده، فيقال ان المسيح تجلى له في الطريق قائلا له: إلى تضطهدني، فصار من ذلك النور أعمى ثلاثة أيام، ثم بعد أن دخل دمشق أبصر واستبصر وصار يجد ويجتهد في نشر تعاليم المسيح، واجتمع مع التلاميذ خاصة مع (بطرس) وهو ان تلمذ في الظاهر عليهم ولكن صار في الحقيقة استاذاً لهم،