التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٤
(التوضيح) على الاختصار بحيث يمكن أن ينتفع به جميع الطبقات حتى ارباب المهن والمكاسب ومعلوم ان المحترف والكاسب لا يسعه مطالعة المطولات ولابدّ من العناية بأمثالهم والتصدي لايصال الحقيقة اليهم ولا يكون ذلك إلاّ بالايجاز مع استيفاء الغرض وايضاح القصد.
ولابدّ قبل النظر في الأبواب ان تستحضر على بالك، تلك الحقيقة الراهنة التي اوضحناها لك بما لا مزيد عليه في الجزء الأول من هذا الوجيز، وهي ان المسيح الذي نجعله موضع كلامنا، وموضع نقدنا وتفنيدنا، هو المسيح الذي نوّهت به أناجيلهم، وأهلته للالوهية أسفارهم، وجعلته جزء من الاله المركب من ثلاثة أقانيم، رسلهم ورسائلهم: لا المسيح الواقعي الذي نوّه به الفرقان المحمدي، فان له منا كل كرامة وتبجيل، وقداسة وتجليل، ذاك العبد الصالح الذي قال عزّ شأنه له: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ)[١].
ذاك الذي تكلم في المهد صبياً قائلا (إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً)[٢] ولم يقل اني انا الله أو جزء مقوم لله.
ذاك الذي قال (يَا بَنِي إِسْرَ ائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)[٣].
وبعد استبانة تلك الحقيقة وأنا لا نمس كرامة المسيح الحي، وحينئذ فلنا حرية النظر وسراح القول وفسحة البحث والنقد فيما اشتملت عليه أناجيل القوم وكتبهم التي يزعمون انها مقدّسة، ولسنا بمسؤولين إلاّ عن صحّة النقل فيما نورده من تلك الكتب، ونحكيه عن تلك الأسفار، ومن الحق جل شأنه نستمد، وعليه نعتمد، واليه نرغب فى ان يجعل عملنا هذا خالصاً لوجه الكريم، وان ينفعنا به يوم العرض عليه، والوقوف بين يديه ان شاء الله.
[١] المائدة: ١١٦.
[٢] مريم: ٣٠.
[٣] المائدة: ٧٢.