التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٥
المبارك البرّ في القرآن ـ (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)[١].
وكأنه لتلك الأحوال والخلال الفظيعة اسلمه تلميذه إلى اليهود ليقتلوه ويصلبوه بعد ان كان من خاصته وبطانته، وأهل ثقته وأمانته.
ثم بعد هذا كلّه نظرنا في القرآن الكريم فوجدناه يرفع المسيح إلى أوج العظمة والكرامة، والتقديس والنزاهة، فيقول في أمر صلبه، وكيفية انتقاله من هذه الدار إلى ربه، وتطهير ذيل والدته، وتنزيهها مما قُذفت به، مندّداً على اليهود (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَاً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)[٢].
أمّا الذي نجده في تلك الأناجيل فهو على الضدّ من ذلك كُلّياً، فانها تصور لك لصاً جباناً متشرّداً، قد أُخذ مهاناً حقيراً، وجعل هُزُؤاً ومسخرة لليهود، يبصقون في وجهه، ويضربونه صفعاً على رأسه، إلى أن صلب نصب العين، بين لصين، انظر إذا شئت هذه المضحكة في (٢٧) متى بعد ان ذكر في الاصحاح السابق عليه، صورة جزعه وفزعه من الموت، وقوله: (٢٨) نفسي حزينة جداً حتى الموت، ثم فزع إلى تلامذته قائلا: امكثوا ههنا واسهروا معي، (٢٩)، ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه، وكان يصلي قائلا: يا ابتاه إن أمكن فلتعبُر عني هذه الكأس، وفي (٢٧) منه: فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتبة (٢٨) فعرَّوه والبسوه رداء قرمزياً (٢٩) وضفروا أكليلا من شوك، ووضعوه على رأسه، وقصبة في يمينه، وكانوا يجثون قدامه ويستهزؤون به قائلين: السلام يا ملك اليهود (٣٠)، وبصقوا عليه، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه، إلى أن قال (٣٨): حينئذ صلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار (٣٩)، وكان
[١] مريم.
[٢] النساء.