نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦ - الدافع الرئيسي لتأليف هذا الكتاب
إلى التخفيف من وطأته والتنازل عن بعض المحظورات الثقافية؛ الأمر الذي جعلنا نطلب من أصدقائنا وذوينا إتياننا ببعض الكتب إلى السجن. أمّا أنا فقد ناشدتهم كتاب نهج البلاغة لأستغل تلكالفرصة المناسبة وأتفرغ فيها للتأمل في هذا الكتاب العظيم، وقد منّ اللَّه عليّ ووفّقني للتدبر والتحقيق في دراسة القسم الثاني من هذا الكتاب والذي يشمل الرسائل والوصايا السياسية والأخلاقية، آنذاك أيقنت بأنّ نهج البلاغة لأعظم وأكبر ممّا كنّا نفكر فيه ونتصوره عنه. فقد رأيت نفسي حينها أمام بحر زاخر من العلوم والمعارف التي تعالج أهم قضايا الإنسان في كافة أبعاده المعنوية والمادية، كما يمد الإنسان بمختلف المواهب المعنوية التي تمكنها من بلوغ شأطئ الامان في هذه الدنيا المحفوفة بالمكاره.
آنذاك أدركت عمق خيبة وخسران أولئك الذين ولّوا ظهورهم لهذا الكنز الفيّاض والمنهل العذب وجعلوا يسيلون لعابهم لموائد الأجانب بما يعجزون عن الإتيان بمثل قطرة من بحره المتلاطم!
من عجائب هذا الكتاب الذي اقتفى آثا رالقرآن حتى طبع بصفاته وسماته إنّه وخلافاً للمدارس الفكرية والأخلاقية والسياسية التي يبليها الزمان فانّه يحمل في طياته صفات العصرنة والتجدد وكأنّ خطب أمير المؤمنين عليه السلام ومواعظه وتوجيهاته تقرع سمعالمعاصر وتجعله يعيش أجواء مسجد الكوفة. وما أجدر عشاق الحق والحقيقة والمتعطشين لمعرفة العلوم الربّانية والمتطلعين لعيش الحياة الحرة الكريمة أن يقصدوا كل يوم ضريح هذا العالم الفذ السيد الشريف الرضي (جامع نهج البلاغة) فيؤدوا له طقوس الاجلال والاكبار ويقرأوا الفاتحة على روحه الطاهرة بفضل الجهود المضنية التي بذلها من أجل جمع كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام فزود بها البشرية جمعاء فضلًا عن المجتمعات الإسلامية.
وماذا بوسعي أن أقول بشأن نهج البلاغة الذي حار في وصفه البلغاء وعجز عن تصويره الفصحاء وعيت عن الاحاطة بكنهه العلماء، وعليه لا أرى من جدوى في الاستغراق في هذا الموضوع، وأخوض في الغرض والدافع من هذا الكتاب. فقد أقبل العلماء والادباء على هذا الكتاب النفيس- نهج البلاغة- بين حافظ وناسخ وشارح، حيث بلغ عدد شرّاحه في العصر القديم والحديث ما جاوز الخمسين شارحاً الذين بذلوا ما بوسعهم لسبر أغواره واستخراج