نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - القسم الثالث ليس كمثله شيء
أنّ الشريفة
«الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى» [١]
دليل على جسمية اللَّه وأنّه على العرش، بينما تفيد كلمة «استوى» معنى السيطرة على الشيء ولا تقتصر على معنى التربع على الشيء أو الاستقرار عليه، بل هناك تعبير كنائي معروف ومتداول بشأن تزعم الامور والأخذ بزمامها في مقابل اعتزال السلطة وانفلات القدرة، فيقال
«اسْتَوى عَلى العَرْشِ»
في مقابل «ثل عرشه» ولا يراد كسر عرش السلطة أو التربع عليه. وعليه فالذي تفيده الآية الكريمة
«اسْتَوى عَلى العَرْشِ»
هو استقرار حكومته وسلطته سبحانه على العرش. على كل حال يبدو من السذاجة والسخرية الاستدلال بهذه الآية على جسميته سبحانه.
٢- يشرح الإمام عليه السلام في هذه العبارة «كائن لا عن حدث» أزليته سبحانه وكون ذاته غنية عن الحدود من ناحية الزمان، ثم يقول عليه السلام:
«موجود لا عن عدم»
وهذا هو الفارق بينه وبين جميع المخلوقات المسبوقة بالعدم والحدوث، بينما لم تسبق الذات الإلهية بمثل ذلك العدم والحدوث. بل لا يمكن وصفه بصفتي «الكائن» و «الموجود» دون تنقية مفهومها من صفات المخلوقات المسبوقة بالعدم. [٢]
٣- العبارة الاخرى تضمنت إشارة رائعة إلى كيفية الرابطة السائدة بين المخلوقات والخالق والممكنات بواجب الوجود، حيث قال عليه السلام:
«مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة»
. لقد ذهب أغلب الناس وحتى أغلب الفلاسفة والعلماء إلى أنّ الرابطة التي
[١] سورة طه/ ٥.
[٢] لقد ذهب بعض شرّاح النهج إلى أنّ العبارتين المذكورتين إنّما تبينان موضوعاً واحداً، بينما اعتبر البعض الآخر- مثل ابن أبي الحديد- أن قوله عليه السلام: «كائن لا عن حدث» إشارة إلى الحدوث الزماني في العبارة الاولى، ولم ينف حدوثه الذاتي الا في كلمته الثانية بغض النظر عن الزمان لأنّه واجب الوجود. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/ ٧٩). في حين ذهب آخرون إلى عكس ذلك ففسروا العبارة الاولى بنفي الحدوث الذاتي أو الذاتي والزماني، والعبارة الثانية بنفي الحدوث الزماني. (شرح نهج البلاغة لابن ميثم، ١/ ١٢٧). ولكن لم يقم دليل واضح على أي من هذا التفاوت، لأن مفردة الحدوث عادة ما تطلق على الحدوث الزماني، كما يمكن حملها على الحدوث الذاتي أيضاً، وهكذا يمكن إطلاق نقطة العدم على العدم الذاتي والتي غالباً ما تطلق على العدم الزماني. وعليه تبدو هاتان العبارتان متأكدتان في معناهما وهو نفي الحدوث الزماني والذاتي؛ على أنّهما تنفيان أي حدوث وعدم عن الذات الإلهية سواءً بالنسبة للذات والزمان.