نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١ - القسم الثاني توحيد الذات والصفات
سطحية فلا تنفذ إلى أعماق وجود الإنسان وروحه، فاذا نفذت إلى أعماقه وبلغت مرحلة اليقين بحيث أذعن الإنسان بذلك قلبياً، فان ذلك العلم يكتسب صفة الإيمان. ثم قال عليه السلام في المرحلة الثالثة
«وكمال التصديق به توحيده»
. فمما لاشك فيه أنّ الإنسان لم يبلغ مرحلة التوحيد الكامل على أساس معرفته التفصيلية للَّهأو بتعبير آخر بالمعرفة القائمة على أساس الدليل والبرهان. فالتوحيد التام في أن ينزه الذات الإلهية عن كل شبه ومثيل ونظير. وذلك لأنّ من جعل له شبيه وصنو لم يعرفه، فاللَّه وجود مطلق غنى بالذات عمّا سواه وليس كمثله شيء، ومن طبيعة الاشياء التي لها أشباه وأمثال أن تكون محدودة، لأنّ أي من الشبيهين منفصل عن الآخر وفاقد لكمالاته.
إذن فالإنسان لا يبلغ مرحلة الكمال إلّابالتصديق بذاته المنزهة في أنّه واحد؛ واحد لا عن عدد، بل واحد بمعنى خلوه من الشبيه والمثيل.
ثم ينتقل الإمام عليه السلام إلى المرحلة الرابعة وهى مرحلة الاخلاص فيقول:
«وكمال توحيده الاخلاص له».
والاخلاص من مادة الخلوص بمعنى تصفية الشيء عن الغير، بمعنى التصفية والتنزه. وهناك خلاف بين مفسري نهج البلاغة بشأن هذا الاخلاص، وهل المراد به الاخلاص العملي أم القلبي أم العقائدي. والمراد بالاخلاص العملي هو أن يعيش الفرد ذروة التوحيد الإلهي فلا يسأل سواه ولا يرى غيره فيما يقوم به من أفعال وأعمال. وهو الأمر الذي تناوله الفقهاء في بحث الاخلاص في العبادة، وقد أورد «الشارح الخوئي» (ره) هذا التفسير بصفته أحد الأقوال دون أن يذكر من قال به. [١]
أمّا الاخلاص القلبي والذي عبر عنه «الشارح البحراني ابن ميثم» بالزهد الحقيقي فهو يعنى توجه القلب إلى اللَّه وعدم التفكير بما سواه، والانشغال بغيره [٢]. إلّاأننا نرى أنّ الاخلاص
[١] منهاج البراعة ١/ ٣٢١. وقد نقل الشارح الخوئي بأنّ لصدر الدين الشيرازي مثل هذا الاعتقاد في شرح الكافي.
[٢] شرح نهج البلاغة لابن ميثم ١/ ١٢٢.