نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - طرح الحجب قريباً
و بغض النظر عن هذا الأمر فانّ الإيمان من جراء مشاهدة الحقائق المترتبة على ما بعد الموت سوف لن يكون مدعاة للعبودية والطاعة وسيكون نوعاً من الاجبار والاضطرار، كما نشاهد ذلك في الأفراد- حتى الصبية منهم- حين يبدون ردود فعلهم المباشرة إذا ما إقتربت أيديهم من النار، فاجتناب المعصية على هذا الضوء سوف لن يكون بدافع من الورع والتقوى و العبودية أبداً.
أمّا قوله عليه السلام
«قريب ما يطرح الحجاب»
فعمر الإنسان مهما كان ليس سوى لحظات عابرة مقارنة بعمر الدنيا وزمان الآخرة. ثم أشار الإمام عليه السلام إلى مسألة مهمّة بهذا الشأن وهى أنّكم وإن لم تروا عالم ما بعد الموت، إلّاأنّ الأدلة عليه قائمة لديكم ومعالمه واضحة أمامكم
«ولقد بصرتم ان ابصرتم، واسمعتم ان سمعتم، وهديتم إن اهتديتم».
وعليه فليس هنالك من عذر لمن ضل السبيل وأخطأ المسيرة، فالحقائق المرتبطة بعالم الآخرة وان حجبت عنكم، إلّاأنّكم على علم بها من خلال ثلاثة طرق: الأول من الاعتبار بما تشاهدونه في هذا العالم، فاثار الفراعنة وقبور الأسلاف لأدلة واضحة على العاقبة المريرة التي تنتهي إليها مسيرة الأقوام الظالمة والتي تشير إلى أنّ الله بالمرصاد، كما لديكم الكتب السماوية و الرسالات النبوية، أضف إلى ذلك فانّ الأدلة العقلية ليست بالقليلة وهى تقودكم بكل بساطة إلى المعاد واليوم الآخر.
و عليه فعبارته عليه السلام إنّما تشير إلى الأدلة الحسية والنقلية والعقلية.
كما يحتمل أن تكون الجملة الاولى إشارة إلى الأدلة الحسية والعقلية (لأنّ البصيرة تطلق على الإدراك العقلي أيضا) والجملة الثانية تلمح إلى الأدلة النقلية، بينما تشير الجملة الثالثةالهداية الناجعة من هذه الادلة. ثم قال عليه السلام:
«وبحق أقول لكم: لقد جاهرتكم العبر»
فالعالم مليىء بحوادث العبرة والاعتبار التي لا تخفى على أحد، فتلك آثار الفراعنة والأقاصرة والأكاسرة التي تخبر عن أحوال من كان من الامم السالفة. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: «وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ» [١]
و قال ايضا: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ* كَذ لِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ». وقال في موضع آخر «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ» [٢].
[١] سورة الصافات/ ١٣٧- ١٣٨.
[٢] سورة الدخان/ ٢٥- ٢٩.