نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٤ - ١- مسألة التصويب ونشأتها
الكتاب ولا السنّة). فافتوا في المسائل المنصوصة طبق ماورد في النص. وأمّا المسائل التي لم يرد فيها نص فقالوا: حل المشكلة يكمن في أنّه إن كان له شبيه ونظير في الأحكام الإسلامية قاسوا عليه، مثلًا إذا ورد في باب الصلاة حكم قاسوا الصوم بذلك الحكم، ان ورد حكم في الحج قاسوا عليه أحكام العمرة، وإذا لم يكن هناك من شبيه في الأحكام الإسلامية يجتمع الفقهاء ويتدارسوا مصالح ومفاسد ذلك الأمر ثم يتخذوا بشأنه حكماً وهذا ما أسموه بالاجتهاد (بالمعنى الأخص).
وبعبارة اخرى فان هناك من قال صراحة: مالم يرد فيه النص ليس له في الإسلام قانون خاص، وهذه وظيفة الفقهاء في أن يضعوا له حكماً من خلال الظن وتخفيف ثقل المصالح والمفاسد وما يرونه أقرب إلى المصلحة. وهكذا أصبح الاجتهاد بمعنى حق الفقيه في التشريع متداولًا بينهم. [١]
وهنا لابدّ من الالتفات إلى أنّ للاجتهاد معنيان مختلفان إذا لم يميز بينهما فان ذلك يؤدي إلى عدّة نتائج سيئة:
المعنى الأول للاجتهاد هو الاجتهاد العام والذي يعني استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وسائر الأدلة الشرعية. وهذا هو الاجتهاد الذي يعتقد به كافة علماء الشيعة، وهو الاجتهاد الذي أنكره الأخباريون قولًا واعتقدوا به عملًا، لأنّ كبار الأخباريين يستدلون بالكتاب والسنة لاثبات الأحكام الشرعية كما يراعون أحكام العام والخاص والمطلق والمقيد وأمثال ذلك.
المعنى الثاني للاجتهاد هو الاجتهاد الخاص وهو الاجتهاد في المسائل التي لم يرد فيها نص في الكتاب أو السنة، فيلجأ على ضوئه إلى التشريع وسن الأحكام مع الأخذ بنظر الاعتبار المصالح والمفاسد والتشابه والتناظر. وهذا النوع من الاجتهاد يختص بجمع كثير من علماء العامة وهو ما يصطلحون عليه بالاجتهاد بالمعنى الأخص. وأمّا ما ذكرنا آنفاً بعدم وجود مثل هذا الاجتهاد لدى علماء الشيعة إنّما يعزى إلى الثر الهائل الذي لديهم من أحاديث الأئمة
[١] الاصول العامة للفقه المقارن/ ٦١٧.