نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١ - ما علّة كل هذا الاختلاف؟
فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله»
ثم أردفه عليه السلام بالقول
«ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً، وإلههم واحد أو نييهم واحد! وكتابهم واحد».
ولعل هذه المسألة تبدو عيجبة للأعم الأغلب من الناس صعبة التصديق لديهم في أنّ تصادق جميع الآراء المتضاربة والمتناقضة على أنّها أحكام اللَّه؛ إلّاأنّها واقع قائم تبلور بشكل عقيدة لدى طائفة إسلامية من أبناء العامة. ولو تأملنا العلل والدوافع التي ساقت هذه الطائفة إلى هذا الاعتقاد- والذي سنتطرق إلى تفاصيله في الأبحاث القادمة- سنكتشف أنّهم جعلوا أنفسهم في زاوية ضيقة حرجة لم يبق أمامهم من سبيل للخروج من هذا المأزق سوى اللجوء إلى عقيدة التصويب.
إلّا أنّ الإمام عليه السلام يوجه ضربة قاصمة إلى دعائم هذه العقيدة المنحرفة بقوله
«والههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد».
فمما لاشك فيه لا يصدر من اللَّه الواحد في مسألة واحدة سوى حكم واحد، فهو العالم بكافة الحقائق المحيط بجميع الأشياء فيحكم فيها بحكم واحد على ضوء المصالح والمفاسد.
فلا يخطئ في هذا الحكم ولا من سبيل للنسيان إلى ذاته المقدسة ليختلف الحكم ولا يندم ولا ينكشف له بمرور الزمان ما كان مجهولًا- إذن فلا يمكن تصور الاختلاف من جانب اللَّه أبداً.
أضف إلى ذلك فانّ نبيّهم واحد، وهو معصوم في اصدار الأحكام، فيبيّن الحكم الإلهي دون زيادة أو نقيصة، وعليه فليس هنالك اختلافاً من جانبه أيضاً. وأخيراً كتابهم واحد؛ الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس للتحريف من سبيل إليه، فهو يستند إلى الوحي الإلهي الذي يأبى الاختلاف والتضاد؛ فهو كتاب اللَّه «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» [١].
إذن فليس هنالك اختلافاً من جانب الكتاب. فهذه العبارات في الواقع مقدمة لما سيأتي
[١] سورة النساء/ ٨٢.