نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٩ - ذم أهل البصرة ثانية
طلحة والزبير وتقديمهم التضحيات الجسام ذودا عن جمل عائشة وبالتالي هزيمتهم وفضيحتهم المنكرة التي جرت عليهم الندم والحسرة. عقول جمع عقل وحلوم جمع حلم، ويبدو أن (الحُلُم والحِلم) من آثار العقل بعبارة اخرى فانّ العقل هو القوة المدركة لدى الإنسان والفكر واعلم واجالة الرأي في الأعمال من نتائجه، ولما كانت عقول أهل البصرة خفيفة فانّ أفكارهم كانت ضعيفة تثار بسرعة إثر الدعايات السيئة التي يمارسها ذوي الأهواء والمطامع. ومن هنا قال الإمام عليه السلام في العبارة الخامسة والسادسة والسابعة:
«فأنتم غرض [١] لنا بل [٢]، واكلة لأكل، وفريسة [٣] لصائل [٤]».
و من البد يهي أن يقع الأفراد السذج من ذوي الأفكار السطحية الهشة لقمة سائغة في شباك صيادي الدين والإيمان والمتعطشين إلى الشراء والمال والجاه والمنصب؛ ومن هنا فانّ العنصر الذي يمكنه ضمان المجتمعات الإنسانية إزاء هؤلاء المكرة المخادعين، إنّما يكمن في رفع المستوى الثقافي لدى الرأي العام وايقاف الامّة على مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية؛ الأمر الذي أكده الإسلام، وهذا هو أحد الأهداف التي تستبطنها خطب صلاة الجمعة. فلو إستدرك أهل البصرة وعادوا إلى أنفسهم وأفكارهم وألموا بشرائط الزمان والمكان لما أصبحوا العوبة بيد طلحة والزبير الذين نقضنا بيعة الإمام عليه السلام وتظاهرا عليه وألبوا الناس على قتاله فسالت تلك الدماء وحتى إنتهى الأمر إلى قتلهما. والسؤال المطروح هنا: هل هناك معنى واحد للعبارات الثلاث «فأنتم غرض لنابل» «و اكلة لآكل» «و فريسة لصائل» أم لها معاني متعددة؟ لايبعد أن تكون كل عبارة إشارة إلى جانب من جوانب المسألة. فالعبارة الاولى تبيّن الاستهداف من بعيد في أنّ الساسة يسعون لرميكم بسهامكم وايقاعكم في شباكهم ولو من بعيد. والعبارة الثالثة تبيّن هذا الاستهداف من قريب بينما تبين العبارة الثانية النتيجة
[١] «غرض» بمعنى الهدف وهو ما ينصب ليرمى بالسهام، ثم اطلق على كل هدف، كما ذكر له معان اخرى من قبيل الملل والشوق.
[٢] «نابل» من مادة «نبل» بمعنى الضارب بالنبل.
[٣] «فريسة» من مادة «فرس» على وزن فرض بمعنى الضرب، ولما كان الحيوان الوحشي يضرب فريسة بالأرض اطلق عليه المفترس، كما اطلق اسم الفرس على الحصان لضربه الأرض برجله.
[٤] «صائل» من مادة «صول» و «صولة» بمعنى الحملة والقهر والغلبة.