نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - القسم الرابع
فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ». [١]
ثم أضاف عليه السلام:
«والله لقد سمعوها ووعوها [٢] ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم [٣]
زبرجها [٤]» [٥].
فالإمام عليه السلام يشبههم في البداية بالجهال الذين دفعهم جهلهم لمخالفته، ثم ينتقل في المرحلة اللاحقة ليصفهم بأنّهم سمعوا هذه الأخبار والحقائق ووعوها وهى ليست خافية عليهم، إلّاأنّ حب الدنيا والتكالب على حطامها والاغترار بزبرجها- ولا سيما بعد الفتوحات الإسلامية الكبرى التي جرت عليهم ما لا يحصى من الغنائم النفيسة والتعود على الحياة الوادعة المرفهةخاصة تلك التي ظهرت أبان خلافة عثمان- جعلتهم يؤثرون الدنيا على الدين ويبيعون الحقيقة بالخرافة ويضحون بالدار الآخرة ويزهدون فيها.
فالعبارات التي أوردها الإمام عليه السلام هى في الواقع عصارة التحليلات بشأن نشوب المعارك الثلاث في عهد الإمام عليه السلام؛ الأمر الذي يعتبر درسا لجميع المسلمين على مدى التاريخ في أنّهم يعيشون الفرقة والتشتت وتمزق عرى الوحدة كلما أقبلوا على الدنيا واغتروا بزخارفها وزبرجها، فليس لهم من سبيل سوى الورع والتقوى والزهد بغية الثبات على الطريق.
ونشاهد اليوم بكل وضوح أنّ الاختلافات السائدة في أوساط المسلمين إنّما تعزى لما بينه الإمام عليه السلام وأو جزته الآية القرآنية الشريفة: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا
[١] سورة القصص/ ٨٣.
[٢] «وعوها» من مادة «وعى» على وزن نفى، قال صاحب المقاييس تغني صنم الشيء إلى آخر، وقال صاحب المفردات تعني حفظ الحديث وما شابه ذلك (وكلاهما بمعنى واحد).
[٣] «راق» من مادة «روق»- حسب المقاييس- بمعنى تقدم شيء على آخر و تأتي أحيانا بمعنى الحسن والجمال ومن هنا يصطلح بالرواق على مقدمة البيت أو الاضرحة المقدسة و قد جاءت هنا بمعنى الحسن والجمال.
[٤] «زبرج» بمعنى الزينة والذهب كما تأتي بمعنى نقوش القماش.
[٥] يتضح بجلاء أنّ الضمائر في هذه العبارة والعبارات السابقة إنّما يعود إلى الفرق الثلاث الناكثين والمارقين والقاسطين التي اشير إليها في العبارة السابقة، بينما يرجح المرحوم العلّامة المجلسي في البحار أنّ هذه الضمائر إنّما تعود إلى الخلفاء الثلاث، غير أنّ هذا الاحتمال يبدو مستبعداً. ولعل هذا هو الذي دفع المرحوم المجلسي لان يختتم كلامه باحتمال رجوع الضمائر إلى كافة من أشارت إليهم الخطبة.