نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٩ - اليقظة والوعي في الامتحان
فقد قال بادئ ذي بدء:
«ذمتي بما أقول رهينة وأنابه زعيم» [١]
في إشارة إلى صدق القول وحقانيته ووجود الضمانات القائمة عليه، ولذلك ينبغي عليكم تلقيه دون نقاش إلى جانب الالتزام به والعمل بمقتضاه. امّا المغزى الذي ينطوي عليه هذا التعبير فإنّما يكمن في إلفات نظر السامع إلى أهمية وخطورة المضمون الذي يختزنه الكلام والتعامل مع أهدافه.
ثم خاض الإمام عليه السلام في تفاصيل هذا المضمون في أن من استشعر الورع والتقوى وخشى العواقب نأى بنفسه بعيداً عن الشبهات ومامن شأنه تعريضه لتلك العواقب
«ان من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات [٢] حجزته [٣] التقوى عن تقحم الشبهات»
. ارجعوا إلى التأريخ وتأملوا ما أصاب الأقوام الماضية من عقوبات بفعل الانحراف عن الحق والتلوث بالمعاصي والذنوب واستفحال الهوى والشهوات وحب الذات! ارجعوا إلى زمان انبثاق الدعوة وقيام النبي صلى الله عليه و آله وتدارسوا المؤامرات التي حاكتها الأقوام الجاهلية ضده ثم انظروا كيف كانت عواقبهم ومصائرهم لتتضح لكم معالم الطريق فتجوبوا الظلمة بنور التقوى والهداية؛ الكهف الحصين الذي يأمنكم من الضربات الموجعة التي يمكن أن تسددها لكم النفس الامارة وتزينها الشياطين. ثم يكشف الإمام عليه السلام النقاب عن الواقع الخطير الذي يعيشونه ويطلعهم على صعوبة الامتحان
«ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللَّه نبيه صلى الله عليه و آله»
. اعلموا أنّ أمامكم امتحان لا ينحج فيه سوى من استشعر نفسه كمال التقوى والاخلاص. فالإمام عليه السلام يميط اللثام عن هذه الحقيقة في أنّ الامّة في عصر الخليفة الثالث ولا سيما أواخر عمره قد عاشت البذخ في بيت المال والمناصب التي فوضت لغير أهلها من الأفراد الصالحين والمفاسد التي اجتاحت المجتمع الإسلامي والاختلافات التي عصفت بوحدتها وكأنّها عادت القهقري إلى عهد الجاهلية وكأن بيعته كبيعة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله التي تطالبه بنهضة تجديدة كتلك التي أسسها النبي صلى الله عليه و آله؛ تلك النهضة المعطاء التي صهرت الامّة في الإسلام الأصيل.
[١] «زعيم» من مادة «زعم» بمعنى بيان الكلام الذي يحتمل فيه الخلاف، ثم أطلق الزعيم على من يكفل شخصاً ويضمنه لأنّه يكون عرضة للتهمة، وقد جاءت هذه المفردة في العبارة بمعنى الضامن والكفيل، كما يطلق الزعيم على القائد الذي يتولى زمام الامور لأنّه يتكفل بالأعمال المهمّة.
[٢] «مثلات» جمع «مثلة» على وزن عضلة بمعنى مقارنة شيء بآخر، ثم اطلقت على العذاب الإلهي والعقوبة التي تحذر الإنسان من ارتكاب ما يوجبها.
[٣] «حجز» من «حجز» على وزن عجز بمعنى الحائل بين شيئين وقد وردت بهذا المعنى في العبارة، فالتقوى تحول دون الوقوع في الشبهات.