نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - ١- فصاحة النهج وبلاغته
فقد تحدث مراراً وكراراً بهذا الشأن في شرحه وأذعن لعظمة فصاحة وبلاغة النهج. فقد قال على سبيل المثال بشأن الخطبة ٢٢١ التي أوردها علي عليه السلام- بشأن البرزخ- «وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلي عليهم، أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدي ابن الرقاع: قلم أصاب من الدواة مدادها ... فلم قيل لهم في ذلك قالوا إنا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن» [١].
ثم قال في موضع آخر حين عرض للمقارنة بين كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام وكلام «ابن نباتة» [٢] الخطيب المعروف الذي عاش في القرن الهجري الرابع: «فليتأمل أهل المعرفة بعلم الفصاحة والبيان هذا الكلام بعين الانصاف ليعلموا أنّ سطراً واحداً من كلام نهج البلاغة يساوي ألف سطر منه بل يزيد ويربي على ذلك» [٣]. وينقل أيضاً إحدى خطب ابن نباتة في الجهاد والتي تمثل قمة الفصاحة وقد ضمنها عبارات أمير المؤمنين عليه السلام الواردة في الجهاد «ما غزي قوم في عقر دارهم إلّاذلّوا» فيقول: «فانظر إلى هذه العبارة كيف تصيح من بين الخطبة صياحاً وتنادي على نفسها نداءً فصيحاً، وتعلم سامعها أنّها ليست من المعدن الذي خرج باقي الكلام منه، ولا من الخاطر الذي صدر ذلك السجح عنه، ولعمر اللَّه، لقد جمّلت الخطبة وحسنتها وزانتها وما مثلها فيها إلّاكآية من الكتاب العزيز يتمثل بها في رسالة أو خطبة، فانّها تكون كاللؤلؤة المضيئة تزهر وتنير، وتقوم بنفسها، وتكتسي الرسالة بها رونقاً، وتكتسب بها ديباجة» [٤].
وأخيراً نختتم كلامه بما أورده في مقدمة شرحه للنهج حيث قال: «وأمّا الفصاحة فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء وفي كلامه قيل: دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة» [٥].
٣- «جورج جرداق» الكاتب المسيحي اللبناني المعروف الذي ألف كتابه المشهور
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١/ ١٥٣.
[٢] هو أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن اسماعيل بن نباتة المتوفى عام ٣٧٤.
[٣] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٧/ ٢١٤.
[٤] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢/ ٨٤.
[٥] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/ ٢٤.