نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٢ - ٢- من عنده علم الكتاب؟
غوامضه بما لا يدع لأحد من مجال للشك، ولهذا قال القرآن المجيد: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» [١]. قد يقتدح في الأذهان سؤالًا: كيف يحتاج القرآن إلى تفسير مجمله وإزالة غوامضه وتبيين مبهمه وقد نزل هداية للناس ولابدّ للعامة من فهمه وإدراكه؟
وللإجابة على هذا السؤال لابدّ من الالتفات إلى أمرين:
الأول: إن القرآن بفضله يتضمن سلسلة من القوانين والأحكام الإسلامية لا يسعه أن يخوض في التفاصيل، فهو يشير إلى هذه القوانين على نحو العموم بينما يفوض شرحها والخوض في تفاصيلها إلى النبي صلى الله عليه و آله. على سبيل المثال فقد وردت أحكام الصلاة والحج والصوم وبعض كلياتها في القرآن الكريم، ونعلم جميعاً أنّ هذه العبادات تشتمل على شرائط واركان وفروع كثيرة يحتاج شرح كل ركن منها إلى كتاب مستقل، بل هناك الامور التي تتطلب عدّة مجلدات من قبيل الامور المرتبطة بالمعاملات والقضاء والحدود والشهادات والسياسات الإسلامية بصورة عامة.
الثاني: أنّ حاجة الامّة للنبي صلى الله عليه و آله في تبيين المبهمات وتفسير المجملات تؤدي إلى تعزيز إرتباطها بالسنّة النبوية؛ الارتباط الذي يهديها وينير معالم طريقها في جميع الميادين، وبعبارة اخرى فان القرآن ليس بدعاً من الكتب التي يتطلب فهم بعض مواضيعها من قبل الطلاب وجود المعلم، الذي يسعه ايضاح الحقائق لتلامذته من خلال الرابطة السائدة بينهما. وهنا يبدو هذا السؤال: هل يوجد مثل هذا المعلم الإلهي في الوسط الإسلامي بعد رحيل النبي صلى الله عليه و آله أم لا؟ لاشك. لابدّ أن يستمر وجود مثل هذا المعلم وإلّا بقيت المشاكل على حالها دون حل وبيان. ومن هنا اعتقدت الشيعة بوجود الإمام المعصوم في كل عصر والذي لديه علم الكتاب، وهذا ما يراد بالعترة الواردة في حديث الثقلين المتواتر المروي عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، والتي أشار إلى امتناع مفارقتها للكتاب إلى يوم القيامة، فقال صلى الله عليه و آله:
«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» [٢].
[١] سورة الحشر/ ٧.
[٢] لقد ورد هذا الحديث بعدة تعابير في مصادر الشيعة والسنّة، فراجع احقاق الحق، ٩/ ٣٠٩- ٣٧٥؛ بحار الانوار ٢٣/ ١١٨، ١٣٢، ١٣٣، ١٣٤، ١٥٥؛ رسالة الثقلين ٩.