نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٦ - ٣- العرش وحملته
إلّا باللَّه العلي العظيم»
والصلوات على محمد وآله، فلما فعلوا سهل عليهم حمله. [١]
وتشير كل هذه الكنايات إلى عظمة عرشه سبحانه، أمّا ماهية العرش، فهى من الامور التي كثر البحث فيها بين العلماء، ونرى ان الاستغراق في شرح هذا الأمر إنّما يبعدنا عن الهدف الأصلي، ولذلك نكتفي بإشارة مختصرة إلى هذا الموضوع:
فقد كان للملوك والسلاطين عرشان، أحدهما منخفض يعتلونه في الأيام الاعتيادية ويسيرون شؤون الحكم ودفة امور البلاد، وآخر مرتفع يرتقونه في الأيام الخاصة والمرام المهمة والكبيرة. وقد اصطلحت الآداب العربية على الأول بالكرسي والثاني بالعرش، وقد درجت هذه الآداب على التعبير بالعرش كناية عن القدرة والسلطة وإن افتقر العرش للدعامات المرتفعة، كما هناك المعنى الكنائي الآخر الذي يشير إلى فقدان السلطة والذي جسدته العبارة المشهورة «ثل عرشه». وللَّه هذان العرشان في الامرة والحكومة كونه سلطان عالم الوجود (وبالطبع لما كان اللَّه ليس بجسم ولا في زمرة الجسمانيات فالمفهوم الكنائي هو المراد هنا من العرش والكرسي).
على كل حال يبرز هذا السؤال: ما كنه هذا العرش الإلهي؟ ومن التفاسير التي يمكن ايرادها بهذا الشأن هو أنّ عالم المادة والسموات والأرضين والمنظومات والمجرات كلها بمثابة الكرسي وعرشه المنخفض كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله:
«وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَالأَرْضَ»
، والمراد بالعرش هو العالم الكامن وراء عالم المادة (المادة الكثيفة والغليظة)، التي لا تحيط بعالم المادة فحسب، بل ليس عالم المادة أمامه سوى مقدار تافه لا أهميه له. امّا حملة العرش فمما لاشك فيه انهم ليسوا ملائكة غلاظ الهيكل وأقوياء الجسم والبنية بحيث يحملون على أكتافهم دعائم العرش الذي استوى عليه الرحمن؛ لأنّ للعرش- كما أشرنا سابقاً- معنى كنائي والقرائن العقلية التي تفيد تنزه اللَّه عن الجسم والجسمانية إنّما تؤيد صحة هذا المعنى، وعليه فحملة العرش ملائكة عظام ذوي مقامات رفيعة وليس لهم من شبيه أو نظير ولهم تدبير عالم ما وراء الطبيعة وتنفيذ أوامره سبحانه في كل مكان، امّا التعبيرات
[١] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ٢/ ٣٢- ٣٥، وقد أورد المرحوم العلّامة المجلسي الروايات المرتبطة بالعرش والكرسي في المجلد ٥٥ من بحار الأنوار، ومنها الروايات السابقة في ص ٥، ١٧ و ٥٥.