الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٢ - تفسير واستنتاج
قدرة المخلوق ومهما اوتي من أموال وثروات طائلة كما تقول الآية بأنّك لو أنفقت ما فيالأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، ولكن تسنى للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله ذلك من خلال تعليمات الإسلام وأخلاقه الإلهية والإمدادات الربانية واستطاع بذلك من تحقيق أعظم معجزة في عالم العلاقات الاجتماعية، وحقّق الألفة وهي في اللغة بمعنى الاجتماع المقارن للإنسجام والأنس والإلتيام وربط تلك القلوب المتنافرة والمتباغضة مع بعضها وجعلها كالبنيان المرصوص.
وتأتي «الآية الرابعة» لتتحدّث عن وحدة صفوف المسلمين والتي لا تتسنى ولا تتحقّق اطلاقاً مع العزلة والإنزواء: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ».
(بنيان) بمعنى كل بناء يبنيه الإنسان لسكنه أو لمآرب اخرى، كأقامة السدود مثلًا، أمّا (مرصوص) فهو من مادة (رصاص) ونظراً إلى أنّ البشر في ذلك الزمان كان يستخدم الرصاص في عملية البناء ليزيد في قوّته وإستحكامه وليملأ الفراغات والثقوب والثغرات الموجودة بين أحجار البناء، فلذلك أطلق على كل بناء محكم أنّه (مرصوص) إشارة إلى قوّته وإستحكامه.
وصحيح أنّ الآية الشريفة ناظرة إلى الجهاد في سبيل اللَّه تعالى والتحرّك العسكري في ميادين القتال مع الأعداء، ولكن من الواضح أنّ هذا المعنى يجري في سائر التفاعلات الاجتماعية على مستوى السياسة والثقافة والاقتصاد وأمثال ذلك، ففي هذه الموارد يلزم أن يكون الناس في المجتمع الواحد منسجمين ومتّحدين إلى درجة أنّهم كالبنيان المرصوص، وهذا المعنى يتقاطع حتماً مع العزلة والإنزواء فلا يتسنى للمجتمع الدفاع القوي أمام الأعداء ولا النهضة الحضارية ولا حلّ المشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية من دون الالفة والمعاشرة والاجتماع بين الأفراد.