الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - تفسير واستنتاج
وتأتي «الآية الثانية»: لتتحدّث عن المنافقين من موقع الذم والتوبيخ، وهم الذين إمتنعوا من السير في ركب النبي صلى الله عليه و آله والخروج معه في واقعة الحديبية وتوهّموا أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والمؤمنين الذين إنطلقوا إلى مكة سوف لا يعودون إلى أهليهم أبداً بل سيقتلون عن آخرهم بأيدي المشركين من قريش في حين أنّ القضية إنعكست تماماً وعاد المسلمون بذلك النصر الباهر في صلح الحديبّية وهو سالمون لم يصب أحد منهم بأذى فتقول الآية: «بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً».
ومفردة (بور) في الأصل بمعنى شدّة الكساد، وبما أنّ شدّة الكساد باعثة على فساد الشيء كما في المثل المعروف لدى العرب (كسد حتى فسد) فانّ هذه الكلمة تأتي بمعنى الفساد، ثم أطلقت على معنى يتضمّن الهلكة والإندثار، وأطلقت على الأرض الخالية من الشجر والنبات فيقال (بائر) لأنّها في الحقيقة فاسدة وميتة.
وهكذا نجد أنّ فئة المنافقين الذين عاشوا هذا الظن السيء في واقعة صلح الحديبية لم يكونوا قلّة، ومن المعلوم أنّه لم يصيبهم الهلاك بمعنى الموت، وعليه فإنّ (بور) بمعنى الهلاك المعنوي والمحرومية من الثواب الإلهي وخلوّ أرض قلوبهم من أشجار الفضائل الأخلاقية والشجرة الطيّبة للإيمان، أو يكون المراد الهلاك الاخروي بسبب العذاب الإلهي، والهلاك الدنيوي بسبب الفضيحة، وعلى أيّة حال فالآية الشريفة تدل بوضوح على النهي عن سوء الظن وخاصة بالنسبة إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله.
وفي «الآية الثالثة»: من الآيات محل البحث نجد بحثاً آخر عن سوء الظن بالنسبة إلى ساحة الربوبية والحقيقة المقدّسة الإلهية في حين أنّ الآيات السابقة كانت تتحدّث عن سوء الظن بالنسبة لأفراد البشر، فتقول الآية بعد أن قرّرت أنّ الهدف الآخر من الفتح المبين وهو فتح الحديبية أنّ اللَّه تعالى يريد أن يعذّب المنافقين والمشركين فتقول: «وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ