الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٧ - سيرة الأولياء
فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السلام فسلّم عليه وضحك فقال:
«أيُّها الشّيخ أَظُنُّك غَريباً، وَلَعلَّك شُبّهت، فَلَو استَعتَبتَنا أَعتَبناكَ، وَلَو سَأَلتَنا أَعطَيناكَ، وَلَو استَرشَدتَنا أَرشدناك، وَلَو استَحمَلتَنا أَحملناكَ، وإن كُنتَ جائِعاً أَشبَعنَاك، وَإِن كُنتَ عُرياناً كَسوناك، وإِن كُنتَ مُحتاجاً أَغنَيناكَ، وإِن كُنتَ طِريداً آويناكَ، وإن كانَ لَكَ حاجَةً قَضيناها لَكَ، فَلَو حَركتَ رَحلَكَ إِلينا وَكُنتَ ضَيفَنا إِلى وَقتِ إرتحالِك كانَ أَعود عَلَيكَ، لأنَّ لَنا مَوضِعاً رَحِباً وَجاهاً عَريضاً وَمالًا كَثَيراً».
فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال أَشهدُ أَنّك خَليفة اللَّه في أرضه، اللَّهُ أَعلَمُ حيثُ يَجعلُ رسالتهُ وكنتَ أَنت وأبوك أبغضُ خلق اللَّه إليَّ، والآن أَنت وأبُوكَ أحبُّ خلق اللَّهِ إليَّ، وَحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً لمحبتهم [١].
٥- وجاء في كتاب «تحف العقول»: أنّ رجلًا من الأنصار جاء إلى الإمام الحسين عليه السلام يريد أن يسأله حاجة، فقال عليه السلام: «يا أخا الأنصار صُن وجَهك عَن بَذلِ المسألةِ وارفع حاجتَك فِي رقعةٍ فإنّي آت فِيها ما ساركَ إن شاء اللَّه»، فكتب الأنصاري: يا أبا عبداللَّه إنّ لفلان عليَّ خمسمائة دينار وقد الجّ بي فكلّمه ينظرني إلى ميسرة، فلما قرأ الإمام الحسين عليه السلام الرقعة، دخل إلى منزله فأخرج صرّة فيها ألف دينار وقال عليه السلام له: «أَما خمسمائة فاقض بِها دينك وأمّا خمسمائة فاستعن بِها على دَهرِكَ ولا تَرفع حاجتَكَ إلّاإِلى أحد ثلاث: إِلى ذِي دين، أَو مروّة، أو حسب، فأمّا ذو الدين فَيصُون دِينُهُ، وأَمّا ذو المُروة فإنّه يستحي لمروّته، أَمّا ذو الحسب فيعلم أنّك لم تكرم وجهكَ أن تَبذلُه فِي حاجتِكَ فَهو يَصون وَجهكَ أن يردَك بِغير قضاءِ حاجتِك» [٢].
٦- ونقرأ في حالات الإمام زين العابدين أنّه وقف على علي بن الحسين عليه السلام رجل من أهل بيته فأسمعه وشتمه فلم يكلّمه، فلما انصرف قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل وأنا احب أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا منّي ردي عليه.
[١]. بحار رالانوار، ج ٤٣، ص ٣٤٤.
[٢]. تحف العقول، ص ١٧٨.