الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - أقسام المراء والجدال
ويجب أن يكون المناظر إنساناً مطّلعاً على الامور، لأنّ الأشخاص الذين يعيشون الجهل بالامور إذا أرادوا الدفاع عن الحق والورود في ميدان المجادلة، فإنّهم وبسبب ضعف معلوماتهم وقلّة إطّلاعهم سوف يذوقون الهزيمة ويغلبوا في هذه المبارزة، وبالتالي ينعكس ذلك سلبياً على الحق والحقيقة.
ولذلك نقرأ في الحديث الشريف أنّ محمد بن عبداللَّه المعروف بالطيّار جاء إلى الإمام الصادق عليه السلام وقال له: «بَلَغَنِي أَنَّكَ كَرِهتَ مُناظَرَةَ النّاسِ»،
قال الإمام عليه السلام: «أَمّا كَلامُ مِثلِكَ فَلا يَكرَهُ، مَنْ إِذا طارَ يَحسُنُ أَنْ يَقَعَ وإِنْ وَقَعَ يَحسُنُ أَنْ يَطِيرَ، فَمَنْ كانَ هكَذا لانَكرَهُهُ» [١].
أمّا لقب الطيّار الذي يطلق على هذا الصحابي المعروف للإمام الصادق عليه السلام، فهو إشارة إلى هذا المعنى أيضاً، لأنّه كان قوياً جدّاً في مجال المباحثة والجدل وكان يتحرّك في دفاعه عن الحق بكل قدرة ومهارة.
وهنا ينبغي على جميع الأشخاص الذين ليس لديهم إطّلاع كافٍ حول مسائل الدين ومعارفه العميقة ولا يجدون في أنفسهم القدرة على الدفاع عنه أن لا يدخلوا في مناظرة ومباحثة مع المخالفين، لأنّهم سوف ينهزمون في هذه المباحثة، وهزيمتهم توجب وهن مباني المذهب الحق في نظر الآخرين.
ومن هنا فإنّ الافراط والتفريط غالباً موجود في سلوكيات هؤلاء الأفراد الجهلاء، فهناك الأشخاص الذين يسلكون طريق الافراط عن جهل ويقولون: بما أنّ الجدال والمراء مذموم في الإسلام ومحرّم بشدّة، فنحن لا ندخل في أي بحث علمي وكلامي مع أي شخص من الأشخاص حتّى لو كان البحث مستدلًا ويقوم على قواعد منطقية من الأدلة والبراهين في طريق إثبات الحق والدفاع عنه، ويختارون السكوت بدل البحث أو الاستدلال، ويسمّون ذلك من باب القيل والقال.
وهذا أيضاً انحراف كبير عن جادّة الصواب، لأنّ تبيّن الحقائق لا يتسنى إلّافي ظلّ
[١]. بحار الانوار، ج ٢، ص ١٣٦، ح ٣٩.