الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢ - تفسير واستنتاج
وعلى هذا الأساس استقطب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أبعد الناس عن اللَّه تعالى والدين والأخلاق وجذبهم إليه وأصبح قدوتهم وأسوتهم في حسن الأخلاق.
إنّ سياق هذه الآيات يشير إلى أنّ هذه الآية متعلقة بالآيات النازلة في معركة أحد حيث كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمسلمين يعيشون أشدّ الظروف وأقسى الحالات النفسية طيلة هذه الحرب، وبديهي إنّ عملية العفو والاستغفار والانفتاح على الآخرين من موقع المحبّة واللطف جعلت النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في أسمى مراتب حسن الخلق وحسن التعامل الكريم مع الغير، وقلّما نجد إنساناً يتمكّن في مثل تلك الظروف الصعبة والتحديّات الشرسة أن يحافظ على حسن أخلاقه ولا ينفعل أمام تحديّات الواقع الصعب.
وتأتي «الآية الثانية» لتشير إلى حسن الخلق العجيب للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله حيث تعبّر عنه بالخلق العظيم وتقول: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ».
(خُلُق) على وزن افق، مفرد وهو مع كلمة خُلْق (على وزن كُفر) بمعنى واحد، ويستفاد من مفردات الراغب أنّ خَلْق (على وزن حلق) تشترك في جذر واحد معها غاية الأمر أنّ (خَلْق) تطلق على الصفات الظاهرية، و (خُلْق) تطلق على الصفات الباطنية.
ويرى بعض أرباب اللغة أنّ كلمة (خُلْق) و (خُلُق) تردان بمعنى الدين والطبع والسجية حيث يقصد بها الصورة الباطنية للإنسان [١].
وعلى أيّة حال فانّ وصف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بأنّه ذو خلق عظيم يدلّ على أنّ هذه الصفة الأخلاقية من أعظم صفات الأنبياء، ويرى بعض المفسّرين أن الخلق العظيم للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله يتمثّل في صبره وتحمّله في طريق الحق وسعة بذله وكرمه، وتدبير امور الرسالة والدعوة، والرفق والمداراة للناس وتحمّل الصعوبات الكبيرة في مواجهة تحدّيات الواقع الصعب في طريق الدعوة إلى اللَّه والجهاد في سبيله وترك الحرص والحسد والتعامل مع
[١]. لسان العرب، مادة خلق.