المراتب في فضائل عليّ بن أبي طالب (ع) - قاضي ابوالقاسم بُستي - الصفحة ٢٢٤
الدين ـ فإنّه يجوزُ خلافه ، ولهذا لمّا أراد النزول يومَ بدرٍ دون الماء في بطن الوادي ، قال له أصحابه : إنْ كان نزولك هذا عن وحي نَزَل فالسَّمعُ والطاعة ، وإنْ كان هذا رأياً رأيته فليس هذا منزل مكيدةٍ ، فقامَ وارتحل وترك اجتهاد نفسه . وقال أصحابنا [١] : إن اجْتَهَد في الدين لم تَسَعْ مُخالفته ، كذلك إذا اجتهد أمير المؤمنين عليه السلام في الدين ، لم يُسوَّغْ خلافه [و] كان ذلك حجّة ، وإذا لم نقطع بأنّه دين اللّه ، وسوّغ الخلاف لمن خالفه ، فإنّما يُسمع خلافه ؛ لأنّه سوّغه ، وهو حجّة . فتحريم المخالفة وتحليلها ـ فيما يُفْتي في الدِّين ـ موقوفٌ عليه . ومن عجيب أمره في هذا الباب ، أنْ لا شيءَ في علوم الدين إلاّ وأهله يجعلونه قدوةً وقبلةً : فإنّ أهل النحو يَرجعون إلى ذلك من هدايته ، وذلك أنّ أبا الأسود الدؤليم [٢] كانَ له صبيٌّ يقُوده ، وكان يمشي في الرَّمل الحامي فَتُحْرِقُ رِجْلَه . فقال : ما أشدَّ الحرَّ . فقال أبو الأسود الدؤلي : حَرُّ تَهامة . والصَّبي أراد : ما أشدَّ الحرَّ الّذي يُحرق رجلي ! فلمّا كرّر الصبيُّ وكرّر عليه بكى الصبيُّ ، فَعَلم ما أراده ، فجاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، ووصَف له . فقال : فَسَد لسانُ أهلنا ، لاختلاطهم بالعجم ، فلو عَلَّقتُ في الأعراب شيئاً نُعلِّمه أولادنا كان صواباً . فَعَمِل وحمل إليه . فقال : ما أحسَنَ ما نحوتَ هذا النحو! فَسُمّي النحوُ نحواً ، وهو الأصل فيه .
[١] يقصد بهم أصحابه في الاُصول ، وهم المعتزلة البغداديون .[٢] ن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وإليه يعود الفضل في صنعة النحو ، حيث تعلّم أصولها من عليّ بن أبيطالب ـ كما في الخبر ـ وعلّمها الناس .