المراتب في فضائل عليّ بن أبي طالب (ع) - قاضي ابوالقاسم بُستي - الصفحة ١٨٦
واللّه لقد رأيتُ ليلةً مِن الليالي ، وقد أسبل الظَّلامُ سدولَه ، وغارت نُجومُهُ ، وهو في المحرابِ ، يَتَملْمَلُ تملْمُلَ السَّليم ، وَيبْكي بُكاء الحَزين ، ولقد رأيته مُسبلاً للدُّموع على خدِّه ، قابضاً على لِحْيَتِه ، يُخاطبُ دنياه فيقول : آه يا دنيا! أ بي تَشوّقْتِ؟ و لي تَعرّضْتِ؟! لا حانَ حيْنُك ، فقدْ بَتَتُّكِ بتّاً لا رجعة لي فيكِ ، فَعَيشُكِ حقيرٌ ، وخَطَرُكِ يسيرٌ . آهٍ من قلّةِ الزادِ ، وبُعد السَّفَرِ ، وخُشُونَة الطريق ، وَهولِ المُطَّلَع! فبكى معاوية وقال : كان واللّه كذلك ! فكيف حُزْنُك بعده؟ قال : حزنُ واجدةٍ ليس لها إلاّ قرّةُ عينٍ ، شابٌّ على الكمال نُحِرَ في حِجْرِها ، كيف تَحزنُ؟ فأنا عليه كذلك . وفيه ورد : أنّه اشترى قميصين بثمانية دراهم ، واحداً بخمسة ، وآخر بثلاثة ، فألبسَ غُلامه ما اشتراه بخمسةٍ ، ولبس ما اشتراه بثلاثةٍ ، فَنَظَر وإذا كُمُّهُ أطولُ من يده ، فتقدّم إلى النجَّار [١] ، وقال : «اقطع هذا» ، فقطع . فقيل له : تَعالَ حتّى نَخيّط كِفَّته وعِطافَه . قال : إنّ الأمر أقربُ من ذلك! وفيه ورد : أنّه كان يَختِمُ على طعام نفسه ، فرُئي وقد أخرجَ منَ السرّ [٢] رغيفاً يابساً مِنْ خُبز الشَّعير ، ثمّ اتّكأ عليه حتّى كَسَره ، وأخذ يأكُله . فقيل له : أنتَ مع جُودِك تختمُ على خُبْزِك! فقال : ما أفعل ذلك بُخْلاً ، ولكنّ صبياني يُشْفِقُون علَيّ ، فيخلطونَ بخُبز الشَّعير خُبزَ الحنطة ، فلا اُريدُ ذلك . فقيل له : إذَنْ تضْعفُ .
[١] النَّجرُ هو القطع .[٢] كذا في الأصل .