مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٠ - أدلّة المنكرين للخلق
وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ ) [١] فما عند الله خالد لا يشمله الهلاك ونظيره ، قوله سبحانه : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) [٢] فالكتاب الحفيظ مكتوب عليه بالبقاء وعدم النقص مع أنّه سبحانه ، يقول : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) وهذا يدل على أنّ دائرة الهلاك لا تتجاوز العالم المادي الذي فيه الإنسان دون التجاوز إلى عالم البرزخ والنشأة الأُخروية ، يقول سبحانه : ( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ). [٣]
والآية الثانية بصدد الرد على منكر المعاد القائل بأنّ الموت ضلال الإنسان في الأرض وانعدام لشخصيته ، فلو جيئ به ثانياً فلا يكون عين الأوّل ، فيجيب سبحانه بأنّ ما يتشخّص به الإنسان هو روحه وهو ما يأخذه ملك الموت ، وهو محفوظ عندنا لا يطرأ عليه التبدل والتغيّر.
وفي ضوء هذه الآيات يمكن أن يقال بأنّ ما دلّ على هلاك كلّ شيء إلاّ وجهه ، راجع إلى الأُمور الدنيوية والنظامات السائدة فيها ، من دون نظر إلى الأُمور الأُخروية.
وأمّا العقل : فقد استدلوا على عدم الخلق بأنّ خلقها قبل يوم الجزاء عبث لا يليق بالحكيم. [٤]
والجواب : انّ المستدل خلط عدم العلم بالمصلحة بالعلم بعدمها ، فوضع الأوّل مكان الثاني ، فمن أين علم بأنّ خلقهما عبث ولعل هناك مصالح لا نحيط بها.
على أنّ لخلقهما قبل الجزاء تأثيراً هامّاً في الوعد والوعيد.
[١] النحل : ٩٦.
[٢] ق : ٤.
[٣] السجدة : ١٠ ـ ١١.
[٤] شرح المقاصد : ٢ / ٢١٩ ، ط آستانة.