مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٠ - رأي الفاضل المقداد
صارت المعقولات مشاهدة ، والشعور بها حضوراً ، والعلم عيناً ، والإدراك رؤية عقلية ، فكان الالتذاذ بحياتنا العقلية أتم وأفضل من كلّ خير وسعادة ، وقد عرفت أنّ اللذيذ بالحقيقة هو الوجود وخصوصاً الوجود العقلي لخلوصه عن شوب العدم ، وخصوصاً المعشوق الحقيقي والكمال الأتم الواجبي لأنّه حقيقة الوجود المتضمنة لجميع الجهات الوجودية ، فالالتذاذ به هو أفضل اللذات وأفضل الراحات بل هي راحة التي لا ألم معها. [١]
وقد تحصل من كل ذلك أنّ المانع من المشاهدات واللّذات العقلية هو تعلّق الإنسان بالبدن والخلود إلى الأرض ، فإذا تخلّص منه حينها يفسح له المجال لدرك هذا النوع من الجزاء.
ويمكن أن يقال : إذا كان المانع من نيل هذه الدرجات هو تعلّق النفس بالبدن فهذا النوع من التعلّق موجود في النشأة الآخرة لما عرفت من أنّ المعاد عنصري لا مثالي ؟
والإجابة عن هذا السؤال واضحة ، لأنّ البدن المحشور وإن كان عنصرياً ولكنّه أكمل وألطف من البدن الدنيوي فلا يكون مانعاً عن نيل ذلك النوع من الجزاء.
على أنّك وقفت على اختلاف التعلّقين ، فتعلق النفس بالبدن في هذه النشأة لغاية التدبير ولكن تعلّقه في النشأة الأُخرىٰ استخدامه لأجل نيل الجزاء الحسي.
وهناك احتمال ثالث يذكره المتكلّم الطائر الصيت الفاضل المقداد ( المتوفّى عام ٨٢٨ ه ) وهو أنّ النفس بعد انفكاكها عن البدن تتقوىٰ في عالم البرزخ في الفترة بين الموت والحشر ، فبعد التعلّق بالبدن يكون استعدادها أقوى لتقبل
[١] الأسفار : ٩ / ١٢٥.