مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٦ - الموت والملائكة الموكّلون
ولكن الإيمان بحصر التدبير في الله لا ينافي وجود عوامل أُخرى مؤثرة تدبر الكون ، بأمر من الله سبحانه ، فانّ هذا التدبير الظلي التبعي في طول تدبير الله سبحانه ، ولأجل ذلك ينسب الله تعالى توفّي الأنفس إليه ويقول : ( اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) [١] ، ولكنّه في الوقت نفسه ينسبه إلى الملائكة تارة وملك الموت أُخرى ، ويقول : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ) [٢] ويقول سبحانه : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ). [٣]
فهناك فعل واحد نسب إلى فواعل ثلاثة ، تارة إلى الله ، وأُخرى إلى الملائكة ، وثالثة إلى ملك الموت ، فالفعل واحد والفواعل متعددة ، لأنّ فعل الجميع هو فعل الله سبحانه بالتسبيب.
وترى نظير ذلك في قوله سبحانه : ( وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ) [٤] حيث ينسب الكتابة إلى الله ، وفي آية أُخرى ينسبها إلى الرسل ، ويقول : ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ). [٥]
وتتجلّى تلك الحقيقة في الآيات التالية الواردة في الموت والحياة ، يقول سبحانه : ( إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) [٦] ، ويقول : ( وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ) [٧].
ويقول أيضاً : ( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) [٨].
[١] الزمر : ٤٢.
[٢] النحل : ٢٨.
[٣] السجدة : ١١.
[٤] النساء : ٨١.
[٥] الزخرف : ٨٠.
[٦] التوبة : ١١٦.
[٧] النجم : ٤٤.
[٨] الواقعة : ٦٠.