مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٨ - رأي الحكيم السبزاوي
واقع ، لأنّ حشر الأرواح إنّما يتمُّ مع الأبدان. وأمّا المعاد الروحاني بالمعنى الثاني فملاك وصفه بالروحانية ليس هو حشر الروح مجرّدة عن البدن ، بل الملاك دركه اللذائذ العقلية التي لا تدرك بالحواس سواء أكان المحشور هو الروح أو الروح والبدن ، وهذا النوع من المعاد ممكن وواقع.
توضيحه : انّ مقتضى الحكمة الإلهية والرحمة الواسعة إيصال كلّ ممكن إلىٰ كماله المطلوب ، فثمة فئة من الناس لا همَّ لها سوى نيل اللذائذ المادية وتتلخص السعادة عندها فيها ، فليس لها معاد سوى الجسماني لا تتجاوز عنه ، ولكن ثمة فئة أُخرى لها همة قعساء لكسب الكمالات المعنوية بغية التقرّب إلى الحقّ فمقتضى رحمته الواسعة إيصال هذه الفئة أيضاً إلىٰ كمالها المطلوب.
وبعبارة أُخرى : انّ السعداء والكُمّل في العلم والعمل يكتسبون حياة معنوية حسب ما يقومون به من صالح الأعمال ، ولكن صلة الإنسان بالمادة تحول دون ظهور تلك الكمالات المعنوية ، لكنّها تتجسد يوم القيامة عند رفع الحجب ، فعندئذٍ يطلب القربة إلى الحقّ والاتصال بالموجودات النورانية في النشأة الآخرة.
وهذا النوع من الحياة المعنوية المنتهية إلى المشاهدات القلبية هو حصيلة المعرفة الدنيوية ، ولذلك قيل : المعرفة بذر المشاهدة ، وقد أشار إلى ما ذكرنا الحكيم السبزواري في كلامه هذا : انّ الخلق طبقات ، فالمجازاة متفاوتة ، فلكل منها محبوب ومرغوب وجزاء يليق بحالها ، واللذائذ الحسية والمبتهجات الصورية للكُمّل في العلم والعمل كالظل غير الملتفت إليه بالذات والتفاتهم بباطن ذواتهم وما فوقهم. [١]
نعم هذا النوع من المعاد لا يعم جميع الناس لما عرفت من انقسام الناس إلى
[١] شرح المنظومة ، بحث المعاد ، الفريدة الثانية.