مناظرات المستبصرين - عبد الله الحسن - الصفحة ٥٠٥
وجاء في كتاب معاوية إلى عليٍّ ٧ : وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر ، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاَّ دعوتهم إلى نفسك ، ومشيت إليهم بامرأتك ، وأدليت إليهم بابنيك ، فلم يجبك منهم إلاَّ أربعة أو خمسة ... مهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لمَّا حرّكك وهيّجك : لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم [١].
فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ٧ ترك جهاد القوم ، لقلّة ناصريه ، فصبر وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، يرى تراثه ينهب ، ويعلِّل ذلك بأنّه لم يسكت إلاَّ تأسِّياً بالأنبياء : ، حيث قال : إنّ لي بسبعة من الأنبياء أسوة :
الأول : نوح ٧ ، قال الله تعالى مخبراً عنه في سورة القمر ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ) [٢] فإن قلت : لم يكن مغلوباً فقد كذَّبت القرآن ، وإن قلت : كان مغلوباً فعليٌّ أعذر.
الثاني : إبراهيم الخليل ٧ ، حيث حكى الله تعالى عنه قوله : ( وَأَعْتَزِلُكُمْ
الرضا ٧ ، فقلت له : يابن رسول الله! أخبرني عن علي بن أبي طالب لم لم يجاهد أعدائه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله ٦ ثمَّ جاهد في أيام ولايته؟ فقال : لأنَّه اقتدى برسول الله ٦ في تركه جهاد المشركين بمكة ثلاث عشرة سنة بعد النبوَّة ، وبالمدينة تسعة عشر شهراً ، وذلك لقلّة أعوانه عليهم ، وكذلك علي ٧ ترك مجاهدة أعدائه لقلّة أعوانه عليهم ، فلمَّا لم تبطل نبوَّة رسول الله ٩ مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهراً ، كذلك لم تبطل إمامة علي ٧ مع تركه الجهاد خمساً وعشرين سنة ؛ إذ كانت العلّة المانعة لهما من الجهاد واحدة.
علل الشرائع ، الصدوق : ١/١٤٨ ح ٥ ، عيون أخبار الرضا ٧ ، الصدوق : ١/٨٧ ـ ٨٨ ح ١٦.
[١] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ٢/٤٧.
[٢] سورة القمر ، الآية : ١٠.