تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٠ - ٧٩٧١ ـ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب بن مره بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك القرشي الأسدي
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)[١] المجنون ، وقد كانت قريش إذا سمعت بذكر محمّد بما ذكر لهم الراهب وعداس قالوا : فلعله مجنون وخاضوا في ذلك ، فوافق ذلك قول ورقة بن نوفل ، ففي ذلك أنزل الله (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ).
فلما رجعت خديجة إلى رسول الله ٦ أخبرته بالذي ذكر لها ورقة ، فقال لها نبي الله ٦ كلا والذي اختصني بالنبوة ما بي جنون ، وإنه لجبريل أتاني ، فأخبرني بالذي خاضت فيه قريش وبقول ورقة ، فاقترأ نبي الله ٦ على خديجة هذه الآيات ، فقالت : الحمد لله كثيرا ، قد زادني هذا يقينا مع ما كنت فيه من اليقين ، ثم قالت له : أحب أن تلقى ورقة فتنبئنّه الحديث ، وتخبره بما حدّثت عن هذه الآيات ، لعل الله يقبل بقلبه ، فإنه رجل قد أعطي علما وهو يقرأ الكتب ، فأتاه رسول الله ٦ فلمّا أبصره ورقة رأى له هيبة وجمالا لم يكن يراه قبل ذلك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ، حدّثني ما رأيت وما قيل لك ، فإنّي أرى لك هيئة لم أكن أراها ولا أراك إلّا صادقا ، فحدّثني عن الذي أتاك في نور أتاك أو في ظلمة؟ فصف لي صفته ، فإنه نعت لي ، ولن يخفى عليّ أهو هو أو غيره إن شاء الله ، فأخبره نبي الله بصفة جبريل وبما رأى من هيئته ، فقال له ورقة : أشهد أن هذا جبريل ، فحدّثني ما قال لك ، فأخبره كيف وضع يده على صدره وبين كتفيه ، فازداد ورقة يقينا ، واقترأ [عليه][٢] الآيات التي أقرأه جبريل والآيات بعد من (ن وَالْقَلَمِ)[٣] ، فقال له ورقة : أشهد أن هذا كلام الله ، فهل أمرك بشيء تبلّغه قومك ، فقال له : لا ، فقال له ورقة : أمرك أمر نبوة ، فإن أدرك زمانك اتبعك ، أما والذي نفس ورقة بيده لئن أعلنت ودعوت لأبلين الله في نصرتك من الصدق وحسن المودة ، فأبشر يا ابن عبد المطّلب بما يسرك الله به ، وفشا قول ورقة في قريش وبصدقه في نبي الله ٦ فشقّ ذلك على الملأ من قريش ، وألقى الشيطان في قلوبهم أن قول هذا الرجل فساد لأمركم ، وهلاك لدينكم ، فكيف ترضونه وهو من فقرائكم وأصغركم؟ واحتبس جبريل على نبي الله ٦ بعد ذلك ما شاء الله ، فقالت قريش : ما نرى محمّدا أحدث شيئا بعد ، ولو كان من الله لتتابع الحديث كما بلغنا أنه كان يفعل من كان قبله ، فقد وعده الذي كان يأتيه وقلاه ، فأتاه جبريل عند ذلك فقال : إنّ الله أنزل عليك يا محمّد (وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما
[١] سورة القلم ، الآيات من ١ ـ ٦.
[٢] زيادة عن «ز».
[٣] سورة القلم ، الآيتان ١ و ٢.