تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٨ - ٧٩٧١ ـ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب بن مره بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك القرشي الأسدي
فقال له جبريل وأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك ، فرأى فيه ماء يقال من صفائه وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت ، فقال له جبريل : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) ، لا تخف يا محمّد ، فإنك رسول الله ، ثم انصرف وأقبل على رسول الله ٦ همّه فقال : كيف أصنع؟ وكيف أقول لقومي؟ ثم قام وهو خائف ، فأتاه جبريل من أمامه في صورة نفسه ، فأبصر رسول الله ٦ أمرا عظيما ملأ صدره فقال له جبريل : لا تخف يا محمّد ، جبريل ، جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله ، فأيقن بكرامة الله ، فإنك رسول الله ، ثم انصرف جبريل وأقبل النبي ٦ راجعا ، فجعل لا يمر على حجر ولا شجر إلّا وهو ساجد له يقول : السلام عليك يا رسول الله ، فاطمأنت نفسه ، وعرف كرامة الله إياه ، وعجب لقول الشجر والأحجار وسجوده له ، فلما انتهى رسول الله ٦ إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغيير [١] لونه ، فأفزعها ذلك ، فقامت إليه ، فلمّا دنت منه ، أبصرت كسوف وجهه ، فحسبته عيانا ، فجعلت تمسح عن وجهه وتقول : يا ابن عبد الله ، لقد أصابك اليوم أمر أفزعك ، يا ابن عبد الله لعله كبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم ، وكان نبي الله ٦ قد سمع الصوت مرارا ، وأبصر الضوء ، وسمع البشرى ، فإذا سمع بذلك بأرض الفلاة أقبل مذعورا فقصّ ذلك على خديجة ، فلمّا أن رأت خديجة أنه لا يحير [٢] إليها شيئا أشفقت ، فقالت : يا ابن عبد الله ، ما لك لا تكلّم؟ قال : يا خديجة ، أرأيت الذي كنت أخبرتك أنّي أرى في المنام ، والصوت الذي كنت أسمع في اليقظة والصوت الذي كنا أهال منه ، فإنه جبريل قد استعلن لي ، وكلّمني ، وأقرأني كلاما فزعت منه ثم عاد إليّ فبشّرني وأخبرني أنّي نبي هذه الأمة ، فأقبلت راجعا ، فمررت على شجر وحجارة وهنّ يسجدن لي ، فقلن : السلام عليك يا رسول الله ، فقالت خديجة : أبشر ، فو الله لقد كنت أعلم أنّ الله لن يفعل بك إلّا خيرا ، وأشهد أنّك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود ، قد أخبرني به قبل أن أتزوجك ناصح غلامي وبحيرا الراهب ، وأمرني [٣] أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة ، فلم تزل عن نبي الله ٦ حتى طعم وضحك [٤] ، ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة ، فلما دنت منه وعرفها قال لها : ما لك يا سيدة نساء قريش؟ وكذلك كانت تسمّى ، فقالت : أقبلت
[١] كذا بالأصل وم و «ز» : تغيير لونه ، وفي البداية والنهاية : تغير لونه.
[٢] في «ز» : يخبر ، وقوله : لا يحير يعني لا يرجع ولا يرد ولا يجيب.
[٣] في «ز» : وأمراني.
[٤] في البداية والنهاية : فلم تزل برسول الله ٦ حتى طعم وشرب وضحك.