تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٨٩ - ٣٢٢٢ ـ عبد الله بن جعفر ، ذي الجناحين الطيار ، بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو جعفر ـ ويقال أبو محمد ـ الهاشمي
فقال له : ليست لي بيّنة ، ولكني أستحلفك عند قبر رسول الله ٦ ومنبره ، فلما رأى عبد الله الجدّ قال : بئس الضيف أنت ، ما طرقنا طارق ولا نزل بنا نازل أعظم بليّة منك ، أتحلفني فيقول الناس اضطهد عبد الله ضيفه وقهره وألجأه إلى أن استحلفه ، أما والله ليعلمن الله أنّي سائله [١] في هذا الأمر الصبر وحسن العزاء ، ثم أمر قهرمانه بقبض المال منه ، وبتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطّيّب ، فجهّزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار ، وقال : هذا لك ولها عوضا مما ألطفتنا ، والله المستعان.
فقبض العراقي الجارية وخرج بها ، فلما برز من المدينة قال لها : يا عمّارة إنّي والله ما ملكتك قط ، ولا أنت لي ، ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار ، وما كنت لأقدم على ابن عمّ رسول الله ٦ فأسلبه أحبّ الناس إليه لنفسي ، ولكني دسيس من يزيد بن معاوية ، وأنت له ، وفي طلبك بعث بي ، فاستتري [٢] مني ، وإن داخلني الشيطان في أمرك أو تاقت [٣] نفسي إليك فامتنعي ، ثم مضى بها حتى ورد دمشق ، فتلقاه الناس بجنازة يزيد ، وقد استخلف ابنه معاوية بن يزيد ، فأقام الرّجل أياما ثم تلطّف للدخول عليه ، فشرح له القصّة ، ويروى أنه لم يكن أحد من بني أمية يعدل بمعاوية بن يزيد في زمانه نبلا ونسكا ، فلما أخبره ، قال : هي لك ، وكلما دفعه إليك في أمرها فهو لك ، وأرحل من يومك ولا أسمع بخبرك في شيء من بلاد الشام ، فرحل العراقي ، ثم قال للجارية : إنّي قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة ، وأخبرتك أنك ليزيد ، وقد صرت لي ، وأنا أشهد الله أنك لعبد الله بن جعفر ، وأني قد رددتك عليه ، فاستتري [٤] مني ، ثم خرج بها حتى قدم المدينة ، فنزل قريبا من عبد الله بن جعفر ، فدخل عليه بعض خدمه ، فقال له : هذا العراقي ضيفك الذي صنع بنا ما صنع ، وقد نزل العرصة ، لا حيّاه الله فقال عبد الله : مه ، أنزلوا الرجل وأكرموه ، فلما استقر بعث إلى عبد الله : جعلت فداك ، إن رأيت أن تأذن لي أذنة خفيفة لأشافهك بشيء فعلت ، فأذن له ، فلما دخل سلّم عليه وقبّل يده ، وقرّبه عبد الله ثم اقتص له القصّة حتى فرغ ثم قال : قد والله وهبتها لك قبل أن أراها أو أضع يدي عليها ، فهي لك ، ومردودة عليك ، وقد علم الله أنّي
[١] بالأصل وم : سائليه ، والمثبت عن الجليس الصالح ، وفي المطبوعة : ساءلته.
[٢] عن الجليس الصالح وبالأصل وم : فاشتري.
[٣] في الجليس الصالح : وتاقت.
[٤] عن الجليس الصالح وبالأصل وم : فاشتري.