نظام الحكم في الإسلام - المنتظري، الشيخ حسين علي - الصفحة ٣٢٤
النشاطات السياسية كما هو الظاهر.
إن قلت: إن حفظ نظام المسلمين وكيانهم، وكذلك حفظ أموالهم وحقوقهم أمران مهمان عند الشارع وهما يتوقفان كثيرا على القبض على المتهمين وحبسهم بداعي الكشف والتحقيق إذا كانوا في معرض الفرار. فالقول بعدم الجواز لذلك يوجب ضياع الحقوق والأموال واختلال النظم، ولا سيما إذا غلب الفساد على الزمان وأهله. فالظاهر هو الجواز إذا كان الأمر مهما معتنى به بحيث يكون احتماله أيضا منجزا عند العقلاء، ولكن مع رعاية الدقة والاحتياط وحفظ شؤون الأشخاص مهما أمكن.
قلت: القول بجواز القبض على المسلم وحبسه بمجرد الاتهام والاحتمال في غير الدم لا يخلو من إشكال، لشدة اهتمام الشرع بحريم المسلمين وشؤونهم.
المسألة الرابعة - في جواز التعزير لكتمان الشهادة: ما ذكرناه كله كان مع التهمة والاحتمال، وأما إذا علم الحاكم أنه يوجد عند الشخص معلومات نافعة في حفظ النظام ورفع الفتنة، أو في تقوية الإسلام ورفع شر الأعداء، أو في إحقاق حقوق المسلمين بحيث يحكم العقل والشرع بوجوب الاعلام عليه وكان الوجوب بينا واضحا له أيضا، بحيث يعتقد هو أيضا بوجوبه وأهميته شرعا ولا يكون في شبهة ولكنه مع ذلك يكتم الشهادة والاعلام عنادا وفرارا من الحق جاز [١] حينئذ تعزيره للكشف والاعلام فقط، من دون أن يترتب
[١] هذا الحكم يتوقف على جواز حكم القاضي بعلمه، وقد مر في هامش الصفحة ٢٦٣ أنه لا
يجوز أن يحكم القاضي بعلمه في حق الله المحض عند الأستاذ ويحتاط هو في غيره، ولا
فرق بين القاضي والحاكم من هذه الجهة.
نعم إذا أقر الشخص، من دون كره وإجبار، بأن عنده معلومات نافعة كذلك ومع ذلك كتم
الشهادة يجوز تعزيره للكتمان، لا للكشف والإعلام.
فإن رأى الحاكم أن يعزره بضربات دون الحد وضرب ولم يشهد بعد وأصر على الكتمان
الحرام، فهل يجوز استمرار تعزيره، أو الحكم بتعزيره مرة ثانية، أم لا؟
قيل نعم لدلالة ما نقل عن علي (عليه السلام) في المتن، من جعل المولي في حظيرة من قصب
يمنعه من الشراب والطعام حتى يطلق، على استمرار تعزير من عليه حق حتى يؤديه!!
ولكنا نمنع ذلك لوجوه:
الأول: سلمنا أن الحق القديم لا يبطله شئ ولكن استيفاء الحق لا يلازم الحكم
باستمرار التعزير، أو التعزير مرة أخرى، فإن العقوبة لابد وأن تحدد بمقتضى مفهوم الحد
الشامل للتعزير في قوله (عليه السلام): " إن لكل شئ حدا ومن تعدى ذلك الحد كان له حد "
(الوسائل: ١٨، ٣١١). فيجب تحديد العقوبة للكاتم ولا تجوز الحكم بعقوبة لا نهاية ولا حد
لها، ثم لا يجوز التعدي عما حدد له.
الثاني: أن الكاتم كتم حقيقة واحدة وعزر لكتمانها، فلا وجه لتعزيره بعد ذلك.
الثالث: استمرار تعزيره يحتاج إلى حكم جديد، والحكم الجديد يحتاج إلى سبب وجرم
جديد، والمفروض أنه لم يأت بجرم جديد.
الرابع: قد تلحق ضربة أخرى التعزير بالحد وقد قالوا: التعزير دون الحد.
الخامس: بعد الغض عن سند الخبر نقول: لم لم يستفد الإمام (عليه السلام) من ولايته على المولي
ولم يطلق زوجته قهرا عليه، فإن الحاكم ولي الممتنع.
السادس: حبس المولي وجعله في حظيرة يكفي لإلزامه على الطلاق، فلم منعه
الإمام (عليه السلام) عن الطعام والشراب، فمضمون الخبر قضية في واقعة لا نعلم تمام جهاتها، فلا
مجال للاستناد به للقول باستمرار التعزير أو الحكم به مرة أخرى. وما ورد من قصة كنانة بن
أبي الحقيق أيضا قابل للمناقشة من جهات لا نطيل الكلام بذكرها - م -.