أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٦٥ - الصلة الرابعة في سرّ القيام و الركوع و السجود و
أعظم من أمر الملائكة بالسجود له [١] و إن لم تكن تلك السجدة إلّا عبادة للّه و طاعة له، كما أنّ الأمر بالتوحيد العبوديّ، و مدار النهي عن الشرك العباديّ هو: الأمر بالسجود للّه، و النهي عن السجود لغيره تعالى، كما أنّ أساس عبادة الأشياء كلّها و طاعتها له تعالى هو: السجود حسبما دلّ عليه قوله تعالى «وَ لِلّٰهِ يَسْجُدُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ» [٢].
ثمّ إنّ الاعتناء بأمر المعاد قد أوجب أن يستدلّ اللّه تعالى له تارة، و يستشهد له اخرى، و يمثّل له ثالثة.
أمّا الاستدلال: فهو المستفاد من غير واحدة من الآيات الدالّة على إطلاق القدرة من ناحية الفاعل، و إمكان الإعادة كالبدء من ناحية القابل. و أمّا الاستشهاد: فهو المستنبط من غير واحدة من الآيات الدالّة على أنّ وزان الموت و البعث هو وزان النوم و اليقظة، نحو قوله تعالى «وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفّٰاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مٰا جَرَحْتُمْ بِالنَّهٰارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» [٣]. و أمّا التمثيل له: فهو ما تقدّم من تأويل السجود بأنّ الإنسان من تراب، ثمّ يعود فيه، ثمّ يبعث منه، فالمصلّي الساجد للّه في كلّ ركعة مرّتين يتمثّل له المعاد الذي إليه يصير، فمن عثر على سرّ الصلاة يقف على مواقف القيامة و يراها كأنها قامت، و تدعو نارها من أعرض و تولّى، فيجد و يجاهد و يجتهد في إخمادها، كما هو المأثور عن الإمام زين العابدين- ٧- من وقوع حريق في حال صلاته ٧، و لم يلتفت إليه حتّى فرغ من صلاته، و قيل له ٧: ما الذي ألهاك عنها؟ قال ٧: ألهتني عنها النار الكبرى [٤]. و الغرض: أنّ السجدتين تمثّلان للبدء و العود، فتدبّر تجد سرّه.
و ممّا يشهد للاستناد بالسجود في نيل الفضل الخاصّ من الجنّة و الحشر مع أهل
[١] طه: ١١٦.
[٢] النحل: ٤٩.
[٣] الأنعام: ٦٠.
[٤] مناقب آل أبي طالب: ج ٤ ص ١٥٠.