أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٩٤
و الغرض: هو أنّ العبد إذا أحسّ ذلّته و أدركها و اعترف بها و تذلّل لمولاه الذي له العزّة جميعا ينال ما أعدّ له من العزّة العرضيّة، و يقول كما كان الصادق- ٧- يقول و هو ساجد: «سجد وجهي اللئيم لوجه ربّي الكريم» [١].
ثمّ إنّه من كان يريد العزّة فليعلم: أنّ العزّة للّه جميعا، و لا ينال شيئا منها إلّا بنفيها عن نفسه و عن غيره، أي: عمّا سوى اللّه، و ذلك إنّما يتجلّى في السجود المشفوع بما يمثّل الذلّة، حتّى يقترن الفعل و القول، و يشهدا على صاحبهما بالذلّة الصادقة، الموجبة لاكتساب العزّة الّتي هي بالعرض للرسول و للمؤمنين، و لعلّ من هذا القبيل ما قاله الصادق- ٧- لإسحاق بن عمّار: «إنّي كنت أمهّد لأبي فراشه، فأنتظره حتّى يأتي، فإذا أوى إلى فراشه و نام قمت إلى فراشي، و أنّه أبطأ عليّ ذات ليلة، فأتيت المسجد في طلبه، و ذلك بعد ما هدأ الناس، فإذا هو في المسجد ساجد، و ليس في المسجد غيره، فسمعت حنينه، و هو يقول: «سبحانك اللّهمّ أنت ربّي حقّا حقّا، سجدت لك يا ربّ تعبّدا و رقّا، اللّهمّ إنّ عملي ضعيف فضاعفه لي، اللّهمّ قني عذابك يوم تبعث عبادك، و تب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم» [٢].
و لقد تأسّى بهؤلاء المعصومين :- الّذين هم ساسة العباد و قادتهم، و أركان البلاد و أعمدتها، بحيث لولاهم لساخت الأرض بأهلها- غير واحد من الصحابة في طول السجود، و التذلّل المستمر. و إليك نبذ من نزر:
قال الفضل بن شاذان: دخلت العراق فرأيت واحدا يعاتب صاحبه و يقول له:
أنت رجل عليك عيال، و تحتاج أن تكتسب عليهم، و ما آمن أن تذهب عيناك لطول سجودك، فلمّا أكثر عليه قال: أكثرت عليّ، ويحك، لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنّك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة
[١] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٤٦٣.
[٢] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٤٦٤.