أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٦٨ - الصلة الرابعة في سرّ القيام و الركوع و السجود و
عبد اللّه- ٧- يتخلّل بساتين الكوفة، فانتهى إلى نخلة فتوضّأ عندها، ثمّ ركع و سجد، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة، ثمّ استند إلى النخلة، فدعا بدعوات ثمّ قال: يا حفص، إنّها و اللّه النخلة التي قال اللّه- عزّ و جلّ- لمريم ٣:
«وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا» [١].
و من هنا قال الصادق ٧: «السجود منتهى العبادة من بني آدم» [٢]، و قال سلمان الفارسيّ: «لو لا السجود للّه و مجالسة قوم يتلفّظون طيب الكلام كما يتلفّظ طيب الثمر لتمنّيت الموت» [٣]. و قد ورد في مدح الساجدين قوله تعالى:
«سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» [٤] لأنّ السجود الطويل أو الكثير يؤثّر في الجبهة، فتنقش فيها سمة السجدة، و هكذا ورد في قدح الفاقدين لسمة الإيمان و السجود قول أمير المؤمنين ٧: «إنّي لأكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها أثر السجود» [٥]، و الجلحاء هي الجبهة الّتي انحسر شعرها عن جانبي الرأس. و من طال سجوده أو كثر ينحسر شعره، أو تتّسم جبهته بما وصفه اللّه حسبما مرّ، و قد قال السجّاد- ٧- لقوم يزعمون التشيّع لأهل البيت ::
«. أين السمة في الوجوه؟ أين أثر العبادة؟ أين سيماء السجود؟ إنّما شيعتنا يعرفون بعبادتهم و شعثهم، قد قرحت منهم الآناف، و دثرت الجباه و المساجد» [٦].
و السرّ في ذلك كلّه- عدا ما تقدّم من أنّه تمثّل للبدء من التراب، و للعود فيه، و للنشور منه- هو ما قاله النبيّ ٦: «إنّ الأرض الّتي يسجد عليها المؤمن يضيء نورها إلى السماء» [٧]، و من المعلوم أنّ الأرض الغبراء الّتي تقلّ الساجد إنّما تضيء للسماء الخضراء الّتي تظلّه ببركة السجدة الّتي سرّها الضياء، فإذا كان السجود ضياء كان الساجد أكثر ضياء؛ لأنّ خيرا من الخير فاعله، كما قاله
[١] مريم: ٢٥.
[٢] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٢٢٨.
[٣] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٢٢٨.
[٤] الفتح: ٢٩.
[٥] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٢٢٩.
[٦] المصدر السابق: ص ٢٣٢.
[٧] المصدر السابق: ص ٢٣٧.