أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٤٣ - الصلة الثالثة في سرّ القراءة
و الصراط و النبوّة و الرسالة و الوحي و الولاية، و ما الى ذلك ممّا يرجع الى ربوبيّته تعالى، حيث إنّ الربّ كما يربّ الحجر و المدر و الشجر و البرّ و البحر و الحيوان الأعجم كذلك يربّ الإنسان، و معلوم أنّ تربيبه و تربيته إنّما هو في ضوء الشريعة و الصراط الذي بدونه يكون الناس كالأنعام بل هم أضل، و به يصير نبيّا و رسولا و وليّا، أو عبدا صالحا و مؤمنا فالحا و نحو ذلك.
و من المعلوم: أنّ لكلّ من المعارف المارّة سرّا عينيّا يختصّ به، و لا ينال المصلّي المناجي ربّه إيّاه إلّا بمعرفة هذه المعارف و الاعتقاد بها و السير نحوها حتّى يحصل له شهود مصاديقها، و يصل إلى سرّها، و ما نقل من مآثر أهل البيت- :- و آثار مقتفيهم من الخرور مغشيّا عند قراءة الفاتحة فإنّما هو باستناد شهود نبذ من إسرارها.
و حيث إنّ المصلّي بعد معرفة استحقاق اللّه سبحانه للعبادة بالبرهان الذي أقامه القرآن يريد أن يصل إلى معروفه بالعيان، أي: العرفان، و لا وسيلة لتلك الصلة إلّا الصلاة، كما قرّر من أنّها حجزة عن الرين و ما يوجب البعد، و وصلة بين العبد و المولى، يتوسّل إليه تعالى بالعبادة، و يناجيه بقوله «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ» بتقديم ما يفيد الحصر، و لعلّ قصده في التعبير بالمتكلّم مع الغير هو: أنّه في صفّ سائر الموجودات العابدة له تعالى، إذ اللّه ربّ للعالمين الّذين يعبدون ربّهم الواحد، أو هو أنّه في صفّ سائر المصلّين الراكعين الساجدين الّذين أمرنا اللّه تعالى بأن نكون معهم، كما قال تعالى «وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّٰاكِعِينَ» [١]، أو هو أنّه مع قلبه و سائر جوانحه و جوارحه بائتمامهم بإمامهم، أي: العقل القاهر على ما عداه يعبدونه تعالى؛ لأنّ المؤمن وحده جماعة، كما تفطّن له المجلسيّ الأوّل (قدّس سرّه) [٢].
و على أيّ تقدير: يحتاج السالك في طيّ طريق العبادة الصالحة لأن توصل العبد الى مولاه و تجعل معقولة مشهوده إلى الإعانة، و لمّا انحصرت الربوبيّة في اللّه
[١] البقرة: ٤٣.
[٢] روضة المتّقين: ج ٢ ص ٤٨٦.