بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٦٧ - و منها الاستعمال المستمرّ مع وحدة المستعمل فيه
الاشتراك المعنوي بأن المجاز يحتاج إلى كثرة المؤن من نصب القرينتين و ملاحظتهما و ملاحظة العلاقة و فيه أن الاحتياج إلى تلك المؤن إن لوحظ في حال الواضع فأجنبي عن المقام لأنّ الواضع إنّما رخّص الاستعمال في المجاز مع وجود إحدى العلائق المشهورة و لا يختلف حال ما رخّص فيه بكون المشكوك فيه مندرجا تحت بعض هذه العلائق كالمشابه مثلا و عدمه و إن لوحظ في حال المستعمل بأن يقال إن المعنى المشكوك فيه لو كان معنى مجازيا لزم المستعمل كلفة القيام بتلك المؤن عند استعمال اللّفظ بخلاف ما لو كان مندرجا تحت المعنى الحقيقي و جزئيّا من جزئياته ففيه أولا أنّ غرض المتكلّم إذا تعلّق بالتّجوّز فلا بدّ له من محافظة المؤن كلّها و لا يتجاوز عن غرضه فرارا عن الوقوع في تلك الكلفة و ثانيا أن ما يحتاج إليه إطلاق الكلّي و إرادة الفرد و لو بغير طريق التجوّز من المؤن ليس بأقلّ من مؤن المجاز إذ فيه أيضا لا بد من قرينتين يدلّ أحدهما على إرادة الفرد دون الطّبيعة و ثانيهما على إرادة الفرد المعيّن و لأجل ذلك يكون مجملا عند فقد القرينة الثّانية المعينة و ممّا ذكر يظهر فساد ما يتخيل من أنّ المجاز يستلزم حوادث كثيرة و هي الأمور المشار إليها من نصب القرينتين و ملاحظتهما و لو إجمالا و ملاحظة العلاقة بخلاف الاشتراك المعنوي (توضيح الفساد) إن تلك الحوادث إنّما يلزم على تقدير كون ذلك المعنى مجازيّا مع فرض استعمال اللّفظ فيه و مثل ذلك لا يتصوّر فيه جريان الأصل لا في نفس تلك الحوادث لأنّها أمور فرضية متوقفة على فرض وجود علّتها و سببها و لا في المعلّق عليه و هو الاستعمال و كون المعنى مجازيا مثلا إذا قيل لو كان الشمس طالعة فالنّهار موجود فلا يمكن نفي وجود النّهار على تقدير طلوع الشّمس بالأصل كما هو واضح لاستحالة تخلّف المعلول عن العلّة و لا نفي وجود الشّمس لكون وجودها فرضيّا مضافا إلى ما عرفت من التّساوي بين المجاز و الاشتراك المعنوي عند إرادة الفرد في تلك الحوادث فلا حاجة حينئذ إلى ما قيل في منع رجحان الاشتراك المعنوي بأن ما يلزمه من المجاز أكثر لأنّه لو استعمل في كلّ من الخصوصيّتين كان مجازا مع أنّه فاسد في نفسه لأنّ اللّفظ على تقدير كونه حقيقة في أحد المعنيين و مجازا في الآخر فاستعماله في خصوصيات ذلك المعنى الحقيقي يكون نحو استعماله في خصوصيات ذلك القدر المشترك (فإن قلت) كلامنا في المعنيين الّذين استعمل اللّفظ فيهما فعلى تقدير كونه حقيقة في القدر الجامع يكون ما يلزمه من الحوادث أقلّ و على تقدير كونه حقيقة في أحدهما يكون الحوادث أكثر فالأمر دائر بين الالتزام بوجود حوادث كثيرة و عدمها أو عدم بعضها (قلت) قد عرفت فساد ذلك و أنّ الحوادث اللاّزمة للاستعمال المجازي ليس بأكثر من الحوادث اللاّزمة لإطلاق الكلّي على الفرد و لو على وجه يكون حقيقة (ثمّ) إنّه لو بنينا على أنّ المجاز مرجوح بالنّسبة إلى الاشتراك المعنوي فلا يتفاوت فيه بين العلم باستعمال اللّفظ في القدر المشترك أيضا أم لا كما في مفروض البحث (و ذهب بعض) أكابر السّادات إلى الاشتراك المعنوي في الأول دون الثّاني نظرا إلى أن القول به في الثّاني يستلزم كون الاستعمال في الخصوصيتين مجازا بلا حقيقة و فيه أن المجاز بلا حقيقة إنّما يرغب عنه إذا علم بعدم رجوعه إلى الاستعمال الحقيقي و لا سبيل إلى ذلك إذا كان المعنى المجازي فردا من أفراد المعنى الحقيقي لأنّ احتمال كون الخصوصيّة مستفادة من نفس القرينة قائم في جميع استعمالات الكلّي في الفرد فافهم و تدبّر فهذا التفصيل ممّا لا ينبغي الركون إليه و ممّا ذكرنا ظهر ضعف ما في المنية حيث قال في شرح قول العلاّمة المجاز خلاف الأصل قولنا المجاز مخالف للأصل يفهم منه معنيان أراد بها أصالة الحقيقة في مقام الشكّ في المراد و الشكّ في الوضع مع العلم به نعم قد يترجّح الاشتراك المعنوي على المجاز للغلبة كما إذا كان اللّفظ من المنقولات و دار الأمر بين النّقل إلى شيء و بين النّقل إلى القدر الجامع بينه و بين شيء آخر المناسب للمنقول منه فإنّ الاشتراك المعنوي حينئذ أولى بوجهين أحدهما الغلبة فتأمّل و الثّاني أنّ اعتبار الخصوصيّة في الاستعمالات البالغة حد النقل أمر زائد لا يصار إليه إلاّ بدليل أصالة العدم مثلا إذا شككنا في أن الدّابة في الوضع الثّاني التعييني موضوعة لذات قوائم أربع أو لخصوص الفرس حتى يكون استعماله في الحمار مجازا أمكن ترجيح الأول لأنّ استعمالاتها في المعنى الثّاني البالغة إلى درجة النقل مبنيّة على ملاحظة كونه من أفراد المعنى الأولي
و مناسبته معه لأنّه شرط في النّقل قطعا فالأمر يدور بين أن يكون المعنى الثاني الّذي هو محلّ الاستعمالات الآئلة إلى النّقل هو مطلق ذات القوائم أو خصوص فرد منها و لا ريب أنّه لو كان الثّاني كان الملحوظ في تلك الاستعمالات أمور ثلاثة نفس المعنى اللّغوي الّذي هو كلّي المتحرك في الأرض في مثال الدّابة و خصوصيّتان أخريان إحداهما خصوصيّة ذات القوائم و ثانيهما خصوصيّة الفرسيّة و المعلوم من الملاحظتين إنما هي الأولى و أمّا الثانية فالأصل عدمها و فيه نظر لمنع تعدّد الملاحظة على تقدير كون المستعمل فيه في تلك الاستعمالات خصوص الفرد (فالتحقيق) أنّه إن علمنا بملاحظة الكلّي في جملة من الاستعمالات و شككنا في طروّ ملاحظة الخصوصية على ملاحظة الكلّي و أنّ البالغ إلى درجة النقل هل هي تلك الاستعمالات الملحوظ فيها المعنى الكلّي أو استعمالات طارئة أخرى ملحوظ فيها خصوص الفرد أمكن دفع الملاحظة الثانية بالأصل و إثبات كون المنقول إليه هو المعنى الكلّي و إلاّ فلا فافهم (و لا يذهب عليك) أنا لا نقول بهذا الأصل في كلّ مقام يدور الأمر فيه بين الوضع للكلّي أو الفرد كما سننبّه عليه في ردّ بعض الأوهام و إن لم يكن بين المعنيين جامع قريب فإمّا أن لا يكون بينهما شيء من العلائق أو يكون فإن كان