بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٤٨ - و منها موافقة الكتاب
الكتاب مسلك الموافقة لدليل آخر من عقل أو نقل فإذا بني على عدم حجيّتها لم يكن الخبر الموافق معتضدا بدليل آخر لكنّه فاسد (أمّا أوّلا) فلأنّ الترجيح بالاعتضاد بالدليل قسم آخر من الترجيح و ليس الترجيح بموافقة الكتاب راجعا إليه و إن جعله منه غير واحد من الأصحاب إلاّ أنّه خلاف التحقيق لأنّ الترجيح بها ممّا استفاضت به الأخبار و لذا اقتصر بعض على المرجحات المنصوصة و لم يتعدّ إلى غيرها من المرجحات الّتي منها الاعتضاد بدليل آخر فالترجيح بها ثابت سواء قلنا بالترجيح بالاعتضاد أيضا أم لا كما ذهب إليه غير واحد و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى فالترجيح بها لا يبتني على حجيّة ظواهر الكتاب إلاّ على اعتبار غير المرجحات المنصوصة بل يمكن على القول بعدم حجيّتها و عدم اعتبار سائر المرجّحات أيضا عملا بالمنصوص أيضا (و أمّا ثانيا) فلأن القول بعدم حجيّة ظواهر الكتاب مستندا عند الأخباريين إلى الأخبار المستفيضة الواردة في النهي عن تفسير القرآن بالرّأي و أنّه إنّما يفهمه من خوطب به و أخبار العرض على الكتاب في الأخبار المتعارضة أخصّ منها فللأخباريين أن يقولوا باختصاص عدم الحجيّة بغير ما تعارض فيه النصّان تخصيصا لتلك العمومات بهذه الأخبار المخصّصة (فإن قلت) مفاد تلك الأخبار لا يقبل هذا التخصيص لأن مداليلها إجمال ظواهر الكتاب في حق غير الأئمة (عليهم السلام) لما فيها من التعليل بأنّه إنما يفهم القرآن من خوطب به ردّا على أبي حنيفة و أمثاله العالمين بتلك الظواهر فالأخبار الناهية بمنزلة القرينة الصّارفة عن الظواهر فكيف يحتمل التخصيص و تحمل على ما نصّ فيه (قلت) أوّلا أنّ مفادها عدم إرادة اللّه سبحانه مفاد بعضها لا مفاد كليها فالمراد بالنّواهي أن جملة من ظواهر الكتاب أريد بها خلاف ما هو ظاهرها و لا يعلمها الآخران العلم و أهل بيت الوحي فكيف يستدلّ بها و يستند إليها في معرفة أحكام اللّه تعالى و مراداته مع عدم معرفة المستدلّ و تميزه بين ما أريد منه الظاهر و ما لم يرد و هذا يكفي في ردّ أبي حنيفة و أمثاله و ليس معناها أن جميع ظواهر القرآن المتعلّق بالأحكام أريد بها غير ظاهرها لبطلانه بضرورة الوجدان و العيان و إجماع أهل الأديان و هذا المعنى قابل للتخصيص بما لا نصّ فيه إذ لا مانع من اختصاص هذا العلم الإجمالي الحاصل من مستفيض الأخبار بخصوص ما لا نصّ فيه و خروج ما ورد فيه نصّ موافقا لها عن هذا المعلوم بالإجمال سواء كان له معارض أم لا فينزل أخبار عرض المتعارضين على الكتاب على ذلك فتكون مؤيّدة و معاضدة للظواهر فيما تعارض فيه الخبر المخالف و الموافق بل ربّما يمكن جعلها دليلا مستقلاّ على كون المراد هو الظاهر زيادة على أصالة الحقيقة و هذا على عكس ما يقال إنّ ما لا يعثر عليها من النصّ بعد الفحص خارج عمّا علمنا إجمالا في مجاري الأصول من المخالفات الكثيرة المانعة من العمل بها ابتداء من دون فحص و كما أن عدم النصّ بعد الفحص يخرج المسألة هناك عن أطراف المعلوم بالإجمال فكذلك النصّ على ظاهر القرآن يخرجه هنا من أطرافه المعلوم بالإجمال من غير فرق إلاّ في شيء غير ضائر و هو استناد العلم الإجمالي هناك إلى ما رأينا من الأخبار و الآثار المخالفة للأصول و هنا إلى نواهي العمل بظواهر القرآن المعلّل بأنّه إنّما يفهم من خوطب به و ممّا ذكرنا ظهر أنّ الترجيح بموافقة الكتاب كما يمكن على مذهب الأصوليين القائلين بحجية ظواهر الكتاب فكذلك يمكن على مذهب من قال بعدم حجيّتها للأخبار و لذا لم ينكر المرجحات المنصوصة الّتي منها هذا المرجّح بعض الأخباريين و من يقرب منهم من المتأخرين هذا كلّه إذا استند في عدم حجيّة ظواهر الكتاب بالأخبار و لو استند إلى العلم الإجمالي بمخالفة جملة منها للواقع كما تقرّر في محلّه فالجواب هو الوجه الأوّل أي التعبّد دون الاعتضاد إذ بعد إجمال الظّواهر بسبب العلم الإجمالي و سقوطها عن الاعتبار لا يكون الترجيح بموافقتها من باب الاعتضاد بل لا بدّ أن يكون تعبدا محضا اللّهمّ إلاّ أن يدّعى أيضا خروج ما تعارض فيه النصّان الموافق و المخالف عن أطراف المعلوم بالإجمال أمّا بالحسّ و العيان فإنّ دعوى اختصاص ذلك من أوّل الأمر بالظواهر العارية عن الأخبار موافقا و مخالفا غير بعيد عن الصّواب أو بمعونة أخبار العرض الدالّة على اعتبارها عند تعارض الخبرين فيكون وجه الترجيح بالموافقة على القول بعدم حجيّة ظواهر الكتاب على المدركين وجها واحدا اعتضادا أو تعبّدا و على الثاني أي القول بحجيّة ظواهر الكتاب فالكلام تارة من حيث القاعدة مع قطع النظر عن الأخبار و أخرى مع ملاحظتها أما
الأول فالتحقيق فيه أن يقال إن الكتاب إمّا أن يكون أقوى دلالة من الخبر المخالف أو يكون أضعف دلالة أو يكون مساويا فإن كان أقوى فلا إشكال بل لا خلاف في وجوب طرح المخالف حينئذ و لو لم يكن له معارض فكيف عن صورة المعارضة سواء كان الكتاب نصّا فيكون من المحكمات الّتي لا تقبل المعارض لوضوح حكمه أو كان أظهر فيجب العمل به أيضا لقصور الخبر عن المعارضة و المقاومة له دلالة و سندا و إن كان أضعف فإمّا أن يكون الخبر المخالف نصّا بالقياس إلى الكتاب كما إذا كان خاصا لا يحتمل التأويل و التجويز أو يكون أظهر فيكون تعارضه مع الكتاب من باب تعارض الظاهر و الأظهر فإن كان نصّا فإمّا أن نقول بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد أو نقول بعدمه فإن قلنا بالجواز بني الترجيح بالموافقة حينئذ على الترجيح بالأصول كأصل الطّهارة و البراءة و الاستصحاب و نحوها لأنّ موافقة الخبر بظاهر الكتاب لا يورث ضعفا في دلالة